وهو قوله تعالى :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ
الآية [ النور : 24 ] .
إلّا أنه فرّق ما بين الدّارين ، لعظم أحد الهولين .
وهذا لا يخفى على الفطن العارف الحاذق ، الذي هو لطعم المعارف ذائق .
وقد جاء ذلك كثيرا في أشعارهم ، وقرّر في قصصهم وأخبارهم .
كما قال أبو حفص المطّوّعيّ ، من شعراء « اليتيمة » « 1 » : [ الطويل ]
أيا منية المشتاق فيم تركتني * كئيبا بلا عقل قتيلا بلا عقل
فإن كنت أنكرت الذي بي من الهوى * أقمت به من أدمعي شاهدي عدل
وقال الآخر : [ الطويل ]
وعندي شهود للصّبابة والأسى * يزكّون دعواي إذا جئت أدّعي
سقامي وتسهيدي وشوقي وأنّتي * ووجدي وأشجاني وحزني وأدمعي
وقال آخر : [ البسيط ]
إن كنت تنكر حالي في الغرام وما * ألقى وأنّي في دعواي متّهم
فالليل والويل والتّسهيد يشهد لي * والحزن والدمع والأشواق والسّقم
فإن قيل : لم اختصّ البعض بالعينين ، ولم يأت باليدين والرّجلين ؟
قلنا : خصّ العينين ، لما فيهما من الحسن الزائد ، وكثرة الفوائد .
لأن أحسن ما في الإنسان وجهه الجامع لجميع المنافع ، وأحسن ما فيه العينان من غير منازع . قال : [ المتقارب ]
وأحسن ما في الوجوه العيون * وأشبه شيء بها النّرجس
فكانا أليق بالمقام ، عند الخاصّ والعام .
فإن قلت : لم خصّ الحجّة بالعذار ، الشّبيه بالليل الماحي لضياء النهار ؟
والحجّة يطلب فيها الإنارة والظهور ، لا الظلام ولا السّتور .
قلت : لأمرين ، يظهران كالعين للعين .
أحدهما عقليّ ، والآخر نقليّ .
أما العقليّ : فإنّ العذار يشبه حروف الخطّ المكتوب ، فكان إتيانه حجّة أليق بالمطلوب .
وأما النّقليّ : فإنّ العذار خاصّ بهذه الدّار لأنه لا يوجد في الأخرى ، فكان بهذه الخصيصة أحرى .
كما قال بعض النّاس ، ناظما ما قال أبو نواس : [ الكامل ]
قال الإمام أبو نواس وهو في * شعر الخلاعة والمجون يقلّد
هامش
( 1 ) انظر يتيمة الدهر ( 4 / 433 ) .