أما العلم فمنه وإليه ، ومعوّل أرباب فنونه عليه .
وأما الأدب فله فيه التّبريز ، وإذا كان غيره فيه الشّية فهو الذهب الإبريز .
وله المنطق الذي يسحر العقول ، والفكر الذي يصدأ عنه الفرند المصقول .
مع حديث لا يملّ ، ومنظر يملأ عيني من تأمّل .
تتنافس في مجلسه درر لوامع وحلى جياد ، فلا تعلّق فيه إلا أقراط بآذان وقلائد بأجياد .
وطبعه يعير سحره عيون الحور ، ويفضح بعقود آثاره درر البحور .
تبتسم الفضائل عن آثاره ، وتتفتّح ثغورها بلوامع إيثاره .
وقد ألقى اللّه عليه منه محبّة ، جلبت إليه مسرى القبول ومهبّه .
فلا تزال الأعين تحدّق إلى محيّاه ، والألسن تدعو بانفساح محياه .
وراحته مخدومة بالقبل ، وعيشه أنضر من الربيع المقتبل .
تودّ كؤوس الراح في أفراحها ، لو تعوّضت بلحظة أنسه عن راحها .
وإذا ذكر فالقلوب على ثنائه ذات اتّفاق ، وخبر فضله إذا تلي سمر القوادم وحديث الرّفاق .
وما أنا في ترنّمي بذكره ، وتعطّري بحمده وشكره .
إلّا النسيم نمّ عن الحديقة بريّاه ، والصبح بشّر بالشّمس ضوء محيّاه . [ المتقارب ]
ولي فيه ما لم يقل شاعر * وما لم يسر قمر حيث سارا
وهنّ إذا سرن من مقولي * وثبن الجبال وخضن البحارا
فإنه الذي ضربت بحضرته أطناب عمري ، وأنفقت على فائدته أيّام دهري .
وتروّيت من المعرفة بروائع كلامه ، وملأت سمعي درّ الأصداف من آثار أقلامه .
وكان ينوّه بي ويشيع أدبي ، وبالجملة فكان لي مكان أبي .
فأنا من حين فقدته فقدت كهفا آوي إليه ، وسندا أعوّل في المآرب عليه .
فحقّ لفؤادي أن يستعر بوقده ، ولدمعي أن يسيل دما على فقده .
وأسأل اللّه أن يزلفه من رحمته ويدنيه ، ويقطفه زهر رضوانه ويجنيه .
فمما تناولته من نظمه ، قوله في مديح صاحب الشّفاعة ، صلّى اللّه عليه وسلّم : [ الخفيف ]
كلّنا سيّدي إليك نؤوب * ما لنا لا نعي اللّقا ونتوب
إنّ عمر الشّباب ولّى وأبقى * ما جناه فيه وذاك الذّنوب
فإلى كم هذا التّواني وقد جا * ء نذير الحمام وهو المشيب
ما أحسن قول ابن نباتة : جاء النّذير العريان وهو الشّيب ، وابيضّ برده فظهر في دنس العيب .
وآذن صبحته بالتّفريق ، ونشرت بين السّواد صفحته فعلم أنها ورقة طريق .