تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
أما العلم فمنه وإليه ، ومعوّل أرباب فنونه عليه . وأما الأدب فله فيه التّبريز ، وإذا كان غيره فيه الشّية فهو الذهب الإبريز . وله المنطق الذي يسحر العقول ، والفكر الذي يصدأ عنه الفرند المصقول . مع حديث لا يملّ ، ومنظر يملأ عيني من تأمّل . تتنافس في مجلسه درر لوامع وحلى جياد ، فلا تعلّق فيه إلا أقراط بآذان وقلائد بأجياد . وطبعه يعير سحره عيون الحور ، ويفضح بعقود آثاره درر البحور . تبتسم الفضائل عن آثاره ، وتتفتّح ثغورها بلوامع إيثاره . وقد ألقى اللّه عليه منه محبّة ، جلبت إليه مسرى القبول ومهبّه . فلا تزال الأعين تحدّق إلى محيّاه ، والألسن تدعو بانفساح محياه . وراحته مخدومة بالقبل ، وعيشه أنضر من الربيع المقتبل . تودّ كؤوس الراح في أفراحها ، لو تعوّضت بلحظة أنسه عن راحها . وإذا ذكر فالقلوب على ثنائه ذات اتّفاق ، وخبر فضله إذا تلي سمر القوادم وحديث الرّفاق . وما أنا في ترنّمي بذكره ، وتعطّري بحمده وشكره . إلّا النسيم نمّ عن الحديقة بريّاه ، والصبح بشّر بالشّمس ضوء محيّاه . [ المتقارب ]
ولي فيه ما لم يقل شاعر * وما لم يسر قمر حيث سارا وهنّ إذا سرن من مقولي * وثبن الجبال وخضن البحارا
فإنه الذي ضربت بحضرته أطناب عمري ، وأنفقت على فائدته أيّام دهري . وتروّيت من المعرفة بروائع كلامه ، وملأت سمعي درّ الأصداف من آثار أقلامه . وكان ينوّه بي ويشيع أدبي ، وبالجملة فكان لي مكان أبي . فأنا من حين فقدته فقدت كهفا آوي إليه ، وسندا أعوّل في المآرب عليه . فحقّ لفؤادي أن يستعر بوقده ، ولدمعي أن يسيل دما على فقده . وأسأل اللّه أن يزلفه من رحمته ويدنيه ، ويقطفه زهر رضوانه ويجنيه . فمما تناولته من نظمه ، قوله في مديح صاحب الشّفاعة ، صلّى اللّه عليه وسلّم : [ الخفيف ]
كلّنا سيّدي إليك نؤوب * ما لنا لا نعي اللّقا ونتوب إنّ عمر الشّباب ولّى وأبقى * ما جناه فيه وذاك الذّنوب فإلى كم هذا التّواني وقد جا * ء نذير الحمام وهو المشيب
ما أحسن قول ابن نباتة : جاء النّذير العريان وهو الشّيب ، وابيضّ برده فظهر في دنس العيب . وآذن صبحته بالتّفريق ، ونشرت بين السّواد صفحته فعلم أنها ورقة طريق .