مفتي دمشق الحبر من صفاته * ألذّ من وصل الحسان الخرّد
من عنده اللّذة إدراك المنى * وأنكر الأصوات صوت معبد
لا يعلم الهزل ولا يحبّه * ولا يميل طبعه إلى الدّد
تسهره الأفكار في مفاخر * يبدعها أو مكرمات يبتدي
ينظم منثوراتها فهي على * جيد العلى كاللؤلؤ المنضّد
مذ حلّ في بلدتنا ركابه * هدي به من لم يكن بالمهتدي
وأصلح الناس صلاح سرّه * فليس من حدّ بها أو قود
يا جلّق الشام سقاك عارض * من فضله يمطر صوب العسجد
ما أنت إلّا في البقاع مثله * في العلماء أوحد لأوحد
ما شرّف الدّيار غير أهلها * أحلية العيون غير الإثمد
ما مصر إلا حيث حلّ يوسف * لا نسب بين امرئ ومعهد
إن صدق الظّنّ فقرب رتبة * من رتبة كبلد من بلد
أنجب فينا غصن فضل مثمرا * بالمعلوات والنّدى والسّؤدد
تشابه الغصن وروضه وقد * يظهر في الوالد سرّ الولد
حكاه في عفّته وفضله * والشّبل في المخبر مثل الأسد
لا برحا في عزّة دائمة * لا تنقضي ما بقيا للأبد
فإنّ في بقياهما صون العلى * عن أن تمسّ بيد لأحد
« 56 » إبراهيم بن منصور الفتّال
شيخ الشيوخ ومعترفهم ، وبحر العلماء ومغترفهم .
هامش
( 56 ) - هو الشيخ إبراهيم بن منصور ، المعروف بالفتال الدمشقي ، العالم العلم ، الباهر الماهر ، المحقق المدقق . وكان من الفضل في محل ذروته ، ومن الحلم في مرتبة سنامه ، وقورا ، حسن الهيئة ، مطبوع العشرة ، لطيف النادرة وله حذق وفراسة .
وكان في أول أمره فقيرا ثم أثرى ، ونشأ في جد واجتهاد ، وقرأ على علماء عصره منهم الملا محمود الكردي ، وأخذ عن عبد الوهاب الفرفوري ، وأحمد بن محمد القلعي ، وحضر دروس النجم الغزي ، وتصدر للإقراء في ابتداء أمره ، واشتهر بحسن التأدية والتفهم ، فأكبت عليه الطلبة ولزمته ، وانتفع به من الفضلاء ما لا يحصى . وكان يقصد حلقة التدريس المقصورة وباب الخطابة من الجامع الأموي ، ثم تحول إلى دار الحديث الأحمدية بالمشهد الشرقي ، ثم لزم داره بالكلاسة غالبا ، ودرس من الدروس في « مغني اللبيب » و « تفسير البيضاوي » والبخاري و « شرح الأربعين لابن حجر » و « الهداية » و « شرح الطوالع للأصبهاني » ، ودرس بالمدرسة الإقبالية تدريس وظيفة . وكان يحب العزلة إلا أنه لا يتمكن منها ، وله تعليقات تشهد بدقة نظره منها : « حاشية على شرح القطر للفاكهاني » وله تحريرات على مواطن من التفسير . وكانت وفاته في ذي القعدة سنة ثمان وتسعين وألف وقد ناهز السبعين ، ودفن بمقبرة الفراديس . ا . ه . خلاصة الأثر ( 1 / 51 ) .