ثم طلع شنبا فكان في ثغر الشام ، وهبّ نسيما فحرّك طربا أغصان البشام .
واستقرّ بروضها الزاهر ، استقرار الغمض في الجفن الساهر .
فقيّد الأعين بصفاته ، كما عقل الأفكار بلحظه والتفاته .
وهو نسيج وحده استيلاء على الفضل واشتمالا ، ووحيد نسجه إبداعا لتحائف المقول واعتمالا .
يتحلّى بخلق لو كان للروض ما ذبل في الشّتاء نوره ، وفكر لا يدرك غوره .
وحلم ما شيب بوهن ، وتثبّت لم يخفّ له وزن .
يصعب إغضابه ويسهل استرضاؤه ، ويفيض إقباله ولا يتوقّع إغضاؤه .
ويقرب الزمن في عطفه ، ولا يتراخي المدى إلى لطفه .
وهناك أدب بسلسل الرّقّة يتدفّق ، وطبع عن زهر الرّياض يتفتّق .
فإذا تفوّه بسطت الحجور لالتقاط لآليه ، وإذا أملى ترك الملأ إملاء أماليه .
وهو أحد من حضرت عنده ، واقتدحت في الاستفادة زنده .
وكان هو وأبي عقيدي صحبة ، وأليفي مودّة ومحبّة .
وبينهما لحمة ليست سدى ، واتفاق ليس إلا ببرد فضل وندى .
وكان أبي يقول فيه : لم أر مثله كثرة إناءة ، وتجنّب بذاءة وإساءة .
وتناسب ذات ونعت ، وتوافق سجيّة وسمت .
تروق أنوار خلاله ، وأدبه تتنفّس الرياض في خلاله .
وقد أوردت له من شعره الرّقيق ، ما هو أعذب من ريق النّدى في ثغور الشقيق .
فمن ذلك قوله من قصيدة مطلعها : [ الخفيف ]
دون رشف اللّمى وضمّ النهود * طعنات المثقّف الأملود
واقتحام المنون أجدر إن * أعقب وصلا بحال كل لميد
مهج العاشقين منذ قديم * خلصت للبلاء والتّنكيد
من لقلبي بأغيد قصم القل * ب بعضب من اللّحاظ حديد
ألف النّفرة التي تعقل العق * ل وتذري الدموع فوق الخدود
وكتب إلى والدي : [ م . الكامل ]
حيّتك فضل الله دي * مة سؤدد نشأت بمجدك
وعلتك أنوار السّعا * دة فاغتنم إشراق سعدك
وكذا الفضائل والفوا * ضل والمكارم حشو بردك
أما القريض ونسجه * فلأنت فيه نسيج وحدك
بك جلّق فخرت كما * بأبيك قد فخرت وجدّك
مولاي فكري قاصر * عن أن يحيط بكنه حدّك