فذو المحاسن لا تحصى محاسنه * إذا رآه عذول حاسد خنسا
ومن أبيت فلا فقد لوحشته * وبارع الأنس لم أعدم به أنسا
قد زارني والدجى يربدّ من حنق * وحسن إشراقه بالشّهب قد حرسا
فالزّهر ترمقه عجبا برونقه * والزّهر يبسم عن وجه الدّجى عبسا
وابتزّ قلبي قسرا قلت مظلمة * فحسبي الله ممّن قد جنى وقسا
حيّرتني فأنا المحتار وا أسفي * يا حاكم الحبّ هذا القلب لم حبسا
زرعت باللّحظ وردا فوق وجنته * فأثمرت منه لي في ناظريه أسى
إن رمت أقطف منه عطر رائحة * حقّا لطرفي أن يجني الذي غرسا
وإن أبى فالأقاحي منه لي عوض * أوردته القلب حيث الحبّ فيه رسا
جعلته رأس مالي مذ ربحت به * من عوّض الثّغر عن درّ فما بخسا
إن صال صلّ عذاريه فلا حرج * أن عاد منه صحيح الجسم منتكسا
فهذه سنّة للعشق واجبة * أن يجن لسعا وأنّى أجتني لعسا
كم بات طوع يدي والوصل يجمعنا * لم يخطر السّوء في قلبي ولا هجسا
وزادني عفّة إذ كان ذا ثقة * في بردتيه التّقى لا يعرف الدّنسا
تلك الليالي التي أعددت من عمري * يا ليتها بقيت والدهر ما نكسا
ويا سقى اللّه أيّاما لنا سلفت * مع الأحبّة كانت كلّها عرسا
لم يحل للعين شيء بعد فرقتهم * وما صبا دونها صبّ الجوى ونسا
ولا شممت نسيما أستلذّ به * والقلب مذ آنس التّذكار ما أنسا
يا جنّة فارقتها النفس مكرهة * أبقي لصبّك في نيل المنى نفسا
وحقّ موثق عهد لا انفكاك له * لولا التّآسي بدار الخلد متّ أسى
« 55 » أحمد بن محمد المهمنداريّ الحلبيّ المفتيّ
اتّخذ الثّريّا مصعدا ، وورد المجرّة مقعدا .
هامش
( 55 ) - هو أحمد بن محمد بن عبد الوهاب الحلبي ، نزيل دمشق المفتي ، الحنفي المعروف بها بالمهمنداري ، العالم الجليل ، المحقق ، المدقق ، البارع . كان من أفاضل الأجلاء ، عالما ، ماهرا ، متضلعا من علوم شتى ، حسن الخلق ، متوددا مع الخلق ، عفيفا . ولد في سنة أربع وعشرين بعد الألف ، وطلب العلم على جماعة منهم والده ، والعالم المحقق الشيخ محمد نجم الدين الحلفاوي الحلبي وغيرهما . وأتقن كثيرا من العلوم وصار علما لا يحتاج إلى إشارة ، وقدم إلى دمشق واستوطنها وتصدر للإفادة والتدريس ، وتولى الإفتاء بها في سنة ست وسبعين بعد الألف ، وتولى نيابة الباب بدمشق وتدريس السليمانية .
وكانت وفاته في جمادى الثانية سنة خمس ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ أرسلان . والمهمنداري نسبة إلى جامع المهمندار بحلب لكون جده كان إماما به . ا . ه . سلك الدرر ( 1 / 186 ) .