« 52 » الشيخ أيّوب الخلوتيّ
الوليّ العارف ، ذو المعارف والعوارف .
أحد الراسخين في العلم الإلهي ، والكاشفين عن أسرار الحقائق كما هي .
حلّ من جفن الشكر في سواده ، وتبوّأ من صدر الإحسان في فؤاده .
فمحامده تملأ المجامع والمسامع ، ومناقبه تنير المطالع وتبعث المطامع .
وعلمه تقبّل أمواج البحر بين يديه ، وحلمه يطيش شيخ الجبال أبو قبيس لديه .
إلى ما حوى من منظر صبيح ، يستنطق الأفواه بالتّسبيح .
وسخاء لو ركّب في الطّبائع لم يوجد شحيح من نوع الإنسان ، وزهد لو كان رقية للصّبابة لم يبق جريح من حدق الحسان .
وأمّا رقّة طبعه فكلما ذكرت تنزّهت في بحبوحة النعيم الخواطر ، واشتقّت من أنفاس الهجير بين الرّوض والنهر بمراوح النّسيم العواطر .
مع تلطّف بلغ الغاية في الكمال ، وسلامة لم يبق منها فتنة إلا فتنة بجمال .
فهو بالهداية محلّى ، وقد رفع اللّه له في العلياء محلّا .
وله من الأخبار ما يملي التواريخ المخلّدة ، ومن الأشعار ما يملأ الكتب المجلّدة .
فمن شعره قوله من قصيدة ، يذكر فيها ليلة مضت في روض عنبريّ النّفح ، ويتشوّق إليها تشوّق الشريف لليلة السّفح : [ الوافر ]
وليلتنا على قاسون لمّا * خرجنا من منازلنا ذهابا
وسرنا والغزال لنا دليل * ووجه غزالة الأفلاك غابا
لقصر أبي البقا شرف اعتلاء * وطاب لنا منازله رحابا
حططنا فيه أحمالا ثقالا * عن الظهر الذي قد صار قابا
ومن فضل المدام لقد حظينا * بشمّاس يدير لنا الشّرابا
هامش
( 52 ) - هو الشيخ أيوب بن أحمد بن أيوب الأستاذ الكبير ، الحنفي ، الخلوتي ، الصالحي ، أصل آبائه من البقاع العزيزي ، ولد ونشأ بصالحية دمشق واشتغل في أنواع العلوم على القاضي محب الدين والمنلا نظام والمنلا أبي بكر السنديين ، وعبد الحق الحجازي ، وأخذ الحديث عن المحدث إبراهيم ابن الأحدب ، وصحب في طريق الخلوتية العارف بالله أحمد العالي وأخذ عنه التصوف وصار شيخ وقته . وله تحريرات ورسائل لا يمكن حصرها منها : « ذخيرة الفتح » و « ذخيرة الأنوار وسميرة الأفكار » و « رسالة اليقين » و « الرسالة الأسمائية في طريق الخلوتية » وولي الإمامة بجامع السلطان سليم بالصالحية ، وكان حسن الصوت والقراءة ، عارفا بالموسيقي ، وحج مرتين ، وسافر إلى بيت المقدس ست مرات ، واستدعاه السلطان إبراهيم للاجتماع به فتوجه إليه واجتمع به ودعا له وعاد ، وكان يقول : قد أظلمت في وجهي الدنيا منذ خرجت من دمشق حتى عدت إليها .
وكانت ولادته في سنة أربع وتسعين وتسعمائة وتوفي في صفر سنة إحدى وسبعين وألف ، ودفن بمقبرة الفراديس . ا . ه خلاصة الأثر ( 1 / 428 ) .