حتى تركني أنازل المحن ، وأعتب هذا الزّمن .
وأقول : قد بليت فيه ، بأيّام كأيّام رمضان وليال كلياليه .
تلك كظلّ الرّمح ، وهذه تهويمة الصّبح .
وكلاهما تارة بنار الجحيم يلتهب ، وآونة بفيحه للحارّ الغريزيّ ينتهب .
قد أخلّا بالعادة ، وجاوزا المألوف بزيادة .
وحشوهما ذباب يبرح ويسنح ، وبعدم مبالاة خلطائه لا يهفّ للبراح ولا يجنح .
وبرغوث كنقطة دغل ، أو سويداء دخل .
يدرك بطعن مؤلم ، ويستحلّ دم كلّ مسلم .
وبعوض يطيل الألم ، ولا يفنى حتى يرتوي من شرب دم .
وبقّ خارج عما يعهد ، يلحّ في الوصول إلى العظم ويجهد .
ووراء ذلك ضجيج ، ولا ضجيج الحجيج .
وزحام يبلي به الشخص من السّحر في الطريق ، حتى يقول : ما هذه القيامة على الرّيق .
وأمّا حديث قلّة الأدب فمن هنا يؤثر ، والأقلّ منهم تابع للأكثر .
وكيف يرجى منهم حجاب ، ومكان الحياء منهم خراب .
إلى غير ذلك من قبائح تركتها حذرا من تلويث الكتاب ، وفضائح لا يلبس عليها ثياب .
هذا وأنا أحمد اللّه الذي لا يحمد على المكروه سواه ، ولا يعرف قدر نعمته إلّا من عالج بلواه .
فلو لا العلّة لم تحمد الصحة ، ولولا التّرحة لم تطلب الفرحة .
فأنا فارقت الجنة تعلمة آدم أبي ، واستبدلت نقيضها بطرف نافر وقلب أبي .
وخضت غمار المهالك والرّدى ، ونظرت إلى الآخرة وأنا في الدنيا .
وتعوّضت عن تلك الوجوه بهذه الوجوه ، واختلفت حالي فأنا متناقض معهم في كل ما أرجوه .
فما أشبهني بكحل في عين أعمى ، ومصباح عند أكمه ، ونغمة عود عند أصمّ ، وخاتم في أصبع أشلّ .
ودرّة في رأس قرويّ ، وسبحة في يد بدويّ .
وسيف في قبضة جبان ، ومصراع تضمين في شعر ابن غزلان ، أو أبي الغزلان .
وإنّي إلى مواضع إيناسي ، ومراتع غزلان صريمي وكناسي .
أحنّ من حمامة لفرخ ، وأورى شوقا من عفار ومرخ .
وأنا مقدم على أدوات التوسّل ، متوسّل بصاحب الشفاعة في التّوصّل .
فعسى أرى وقت التّلفّت ، ولا علقت لي بعدها لحظة بالتلفّت .
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 277
مساهمون: محمد أمين المحبي
ص٢٧٧