تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
حتى تركني أنازل المحن ، وأعتب هذا الزّمن . وأقول : قد بليت فيه ، بأيّام كأيّام رمضان وليال كلياليه . تلك كظلّ الرّمح ، وهذه تهويمة الصّبح . وكلاهما تارة بنار الجحيم يلتهب ، وآونة بفيحه للحارّ الغريزيّ ينتهب . قد أخلّا بالعادة ، وجاوزا المألوف بزيادة . وحشوهما ذباب يبرح ويسنح ، وبعدم مبالاة خلطائه لا يهفّ للبراح ولا يجنح . وبرغوث كنقطة دغل ، أو سويداء دخل . يدرك بطعن مؤلم ، ويستحلّ دم كلّ مسلم . وبعوض يطيل الألم ، ولا يفنى حتى يرتوي من شرب دم . وبقّ خارج عما يعهد ، يلحّ في الوصول إلى العظم ويجهد . ووراء ذلك ضجيج ، ولا ضجيج الحجيج . وزحام يبلي به الشخص من السّحر في الطريق ، حتى يقول : ما هذه القيامة على الرّيق . وأمّا حديث قلّة الأدب فمن هنا يؤثر ، والأقلّ منهم تابع للأكثر . وكيف يرجى منهم حجاب ، ومكان الحياء منهم خراب . إلى غير ذلك من قبائح تركتها حذرا من تلويث الكتاب ، وفضائح لا يلبس عليها ثياب . هذا وأنا أحمد اللّه الذي لا يحمد على المكروه سواه ، ولا يعرف قدر نعمته إلّا من عالج بلواه . فلو لا العلّة لم تحمد الصحة ، ولولا التّرحة لم تطلب الفرحة . فأنا فارقت الجنة تعلمة آدم أبي ، واستبدلت نقيضها بطرف نافر وقلب أبي . وخضت غمار المهالك والرّدى ، ونظرت إلى الآخرة وأنا في الدنيا . وتعوّضت عن تلك الوجوه بهذه الوجوه ، واختلفت حالي فأنا متناقض معهم في كل ما أرجوه . فما أشبهني بكحل في عين أعمى ، ومصباح عند أكمه ، ونغمة عود عند أصمّ ، وخاتم في أصبع أشلّ . ودرّة في رأس قرويّ ، وسبحة في يد بدويّ . وسيف في قبضة جبان ، ومصراع تضمين في شعر ابن غزلان ، أو أبي الغزلان . وإنّي إلى مواضع إيناسي ، ومراتع غزلان صريمي وكناسي . أحنّ من حمامة لفرخ ، وأورى شوقا من عفار ومرخ . وأنا مقدم على أدوات التوسّل ، متوسّل بصاحب الشفاعة في التّوصّل . فعسى أرى وقت التّلفّت ، ولا علقت لي بعدها لحظة بالتلفّت .