وإن نبذوا بعدي الحصاة ، فلا أب لهم إن لم يكنسوا العرصات .
فإن عمدوا إلى أن يوقدوا في أثري النّار ، فليسرعوا إلى أن يثيروا في قفاي الغبار .
وضراعتي إلى السميع المجيب ، أن يجعل ذلك أقرب من كلّ قريب .
والسلام .
50 محيي الدين السلطيّ
شيخ الصّنعة ووليدها ، والمتوفّر له طريفها من الفنون وتليدها .
وابن بجدتها في القريض ، وأخو جملتها في النّفس الطّويل العريض ، وأبو عذرتها في التّصريح بالأغراض والتّعريض .
رأس بالاستحقاق الآن ، وسهّل طرق الفنون وألان .
وهو شاعر لا يطمع في لحاقه مجاريه ، ولا يحثى التّراب إلا في وجه مباريه .
وقد ناهز الثّمانين ، وسما على العرانين .
فلو رآه ابن سبعين لما تجاوز حدّه ، أو الثّمانين لاستنجد بهمّة جدّه .
وهو أعصف القوم ريحا ، وأكثرهم عن البيان تصريحا .
قلبه قليب واسع ، وغوره بعيد شاسع .
لا يقرطس غرضا إلا أصماه ، ولا يفوّق سهما إلا أصاب مرماه .
وقد صحبته مدة فتمتّعت بآدابه ، ورأيت التحوّل في كلّ فنّ من دابه .
وتناولت من أشعاره تحفا بادية الإغراب ، وطرفا أترابها في اتّفاق الصنعة تحت التراب .
فدونك منها ما لا يحتاج حسنه إلى إثبات ، كالدّرّ يكفيه من حسنه نحور ولبّات .
فمن ذلك قوله من مقصورة ، مستهلّها : [ السريع ]
قوامه واللّحظ منه يقتنى * ممنّع بين الرّماح والظّبى
من جفنه كسرى استبيح اسمه * وللنّجاشي الحكم في الخال مضى
في حركات قدّه يستحسن الضّ * مّ ومن أجفانه الكسر ارتوى
وثغره قالوا العذيب قلت من * ذاك يشام البرق منه أومضا
منها :
من لم يذق حلو الهوى ومرّه * لم يدر ما بين الضلال والهدى
يا صاح أعني غير صاح من هوى * إن جزت سلعا منه سل عن ذي نبا
أخيّم الأحباب أم قد ظعنوا * فهاك آثار المطيّ في طوى
وكنت طلبت منه شيئا من أشعاره ، لأثبته في كتابي هذا ، فوعد وسوّف .
فكتبت إليه :