تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وفطنت بتلك النّيّة ، وما أظنّها كانت عن رويّة . فهي كدعوة السّائل ، إنّما تجري لتأكيد الوسائل . كيف ومحلّها منطمس بغبار الأغيار ، وحقّ لمن رأى غبار بولاق أن يشكو صدأ الأكدار . ولعل السيّد نظر إلى بيت العيون والرّميّة ، فعلم أن النفس من مخالستها أبيّة . [ الطويل ]
فلو قاصرات الطرف أقبلن كالمها * وقبّلن رأسي ما قبلت مزارها « 1 »
نعم القلب بعيون الشّام علق ، إلى أن يصير إلى ما منه خلق . فأما وحدقها المراض ، وسهامها التي تتمنّاها الأغراض . ورنّوها ولو لحظة فان لها حقّا ، وتلفّتها ولو غلطة فإنّي عبدها رقّا . إنّي منذ ودّعت بها حلاوة الرّضا ، ودّعت العيش المرتضى ، وبتّ على جمر الغضا ، وحدّ السيف المنتضى . وأنا الآن بحكم الزمان ، مستودع دار الهوان . أضحك للبوس ، وأبشّ للوجه العبوس . وأتصفّح وجوها لا أرجوها ، وأريد أمدحها والمروءة تهجوها . أكثرهم شيخ يتفتّى ، ويبرز في أطوار شتّى . يأكل ما تأكل النّاس ، ويخالفهم في المشرب واللّباس . له وجه لا يشفّ ، وعين لا ترفّ . إذا تكلّم ، كلم ، وإذا بشّ ، أدهش وأوحش . كلامه في الرّضا ، مثل هزّات القضا . خلق اللّه ذاته عبرة للنّوائب . وثمّ من رزق فلتة ، ورمق بغتة . عمر غناه قصير ، وهو بطريق اللّؤم بصير . فإذا رأيت رثاثة حاله ونعمته لديه ، يوشك أن تدّعي غضب الله عليها وعليه . وقد مقتّ بهم الأيام وتصاريفها ، وسئمت الحياة وتكاليفها . ولو جهلت أن الحذق ، لا يزيد الرّزق . لعذرت نفسي في الرّحل أشدّه ، والحبل أمدّه . ولكنّي أعلم هذا وأعمل ضدّه ، وأسير سيرا ينكر المرء فيه جهده . وإلّا فمن أخذني بالمطار ، في هذه الأقطار .
هامش
( 1 ) وهو لعبد الرحمن بن محمد العمادي الشامي ، انظر ريحانة الألبا ( 1 / 224 ) وفيه : « فلو صائدات القلب أقبلن كالمها »