وفطنت بتلك النّيّة ، وما أظنّها كانت عن رويّة .
فهي كدعوة السّائل ، إنّما تجري لتأكيد الوسائل .
كيف ومحلّها منطمس بغبار الأغيار ، وحقّ لمن رأى غبار بولاق أن يشكو صدأ الأكدار .
ولعل السيّد نظر إلى بيت العيون والرّميّة ، فعلم أن النفس من مخالستها أبيّة .
[ الطويل ]
فلو قاصرات الطرف أقبلن كالمها * وقبّلن رأسي ما قبلت مزارها « 1 »
نعم القلب بعيون الشّام علق ، إلى أن يصير إلى ما منه خلق .
فأما وحدقها المراض ، وسهامها التي تتمنّاها الأغراض .
ورنّوها ولو لحظة فان لها حقّا ، وتلفّتها ولو غلطة فإنّي عبدها رقّا .
إنّي منذ ودّعت بها حلاوة الرّضا ، ودّعت العيش المرتضى ، وبتّ على جمر الغضا ، وحدّ السيف المنتضى .
وأنا الآن بحكم الزمان ، مستودع دار الهوان .
أضحك للبوس ، وأبشّ للوجه العبوس .
وأتصفّح وجوها لا أرجوها ، وأريد أمدحها والمروءة تهجوها .
أكثرهم شيخ يتفتّى ، ويبرز في أطوار شتّى .
يأكل ما تأكل النّاس ، ويخالفهم في المشرب واللّباس .
له وجه لا يشفّ ، وعين لا ترفّ .
إذا تكلّم ، كلم ، وإذا بشّ ، أدهش وأوحش .
كلامه في الرّضا ، مثل هزّات القضا .
خلق اللّه ذاته عبرة للنّوائب .
وثمّ من رزق فلتة ، ورمق بغتة .
عمر غناه قصير ، وهو بطريق اللّؤم بصير .
فإذا رأيت رثاثة حاله ونعمته لديه ، يوشك أن تدّعي غضب الله عليها وعليه .
وقد مقتّ بهم الأيام وتصاريفها ، وسئمت الحياة وتكاليفها .
ولو جهلت أن الحذق ، لا يزيد الرّزق .
لعذرت نفسي في الرّحل أشدّه ، والحبل أمدّه .
ولكنّي أعلم هذا وأعمل ضدّه ، وأسير سيرا ينكر المرء فيه جهده .
وإلّا فمن أخذني بالمطار ، في هذه الأقطار .
هامش
( 1 ) وهو لعبد الرحمن بن محمد العمادي الشامي ، انظر ريحانة الألبا ( 1 / 224 ) وفيه :
« فلو صائدات القلب أقبلن كالمها »