وأيست من السلامة ، وعدت على نفسي بالملامة .
رأيت شيخا وقف ثنيّة الوداع ، وسلم نفسه للحتف إمّا بالطّمأنينة أو بالخداع .
ولم يبق منّي إلا نفس خافت ، وجسم من النّصب هافت .
فما تخطّت في التخطّي لي قدم ، إلا وأخطأت خطأ كلّه ندم ، وعثرت عثرة غصّانة بدم .
حتى لطف اللّه تعالى بلطفه ، وأولاني فريد رأفته وعطفه .
فرأيت المحطّة وأحسبني بها حالما ، وما تحقّقت البقاء ، علم الله ، حتى وصلتها سالما .
فقعدت أنفض غبار الموت ، وأتفقّد قواي فأرى قد فات فيها الفوت .
سوى بقيّة لم أعدم بها فضل الأقوات ، وأحسب لأجلها من أحياء الأموات .
فلم يستقرّ قرارنا حتى شدّوا من ذلك المكان ، فانحلّ من عقد عزمي ما كان في حيّز الإمكان .
ثم رحّلنا العيس ، على ذلك الرّأي التّعيس .
وسرنا إلى أن وصلنا إلى شداد ، ونحن نطلب من اللّه تعالى أن يمدّنا منه بأمداد .
مخلع [ البسيط ] :
فما نزلنا حتى ركبنا * والحال باق وفيه شدّه
فوقفت ممتثلا ، وأنشدت قولي متمثّلا : [ المجتث ]
شدّوا فحلّوا فؤادي * وكثرة الشدّ ترخي
فنزلنا بعد ربع الليل عرفة ، ورأى كلّ منا صاحبه وعرفه .
فوقفنا ، وما توقّفنا .
إلى أن هيّأوا لنا مراحا ، وما تقيّدوا به إلا وهم يبغون سراحا .
فجلسنا بعضنا شاك فقد أحبابه ، والبعض الآخر شاك من الحجارة وما أصابه .
وأنا بينهم ساكت ألفا ، وناطق خلفا .
كيف وقد خلّفت ما يورث الهذيان ، وتأبى مواقعه أن يحوم حولها النّسيان .
ثم انكفأنا انكفاء الحيا ، ولسان الحال يقول : لا سقيا ليومنا ولا رعيا .
فما راعنا إلا المكاري وحزبه ينادون : هيّا فاركبوا ، طلع الفجر .
فأبعدوا المدى ، وأزعجوا الصّدى .
فنهضت من مرقدي نهضة جفلة ، وما أحسبني تنبّهت من غفلة .
وركبت الليل البهيم ، والشوق إلى الرّقاد شوق إليهم .
وما برحنا في برح وعنا ، حتى وصلنا مع الشروق إلى منى .
فقلت لرفيق لي انتخبته ، ولمثل هذا الأمر انتجبته :
هلمّ فلنسترح ونرح ، ونقيل في هذا المكان المنشرح .