تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
وأيست من السلامة ، وعدت على نفسي بالملامة . رأيت شيخا وقف ثنيّة الوداع ، وسلم نفسه للحتف إمّا بالطّمأنينة أو بالخداع . ولم يبق منّي إلا نفس خافت ، وجسم من النّصب هافت . فما تخطّت في التخطّي لي قدم ، إلا وأخطأت خطأ كلّه ندم ، وعثرت عثرة غصّانة بدم . حتى لطف اللّه تعالى بلطفه ، وأولاني فريد رأفته وعطفه . فرأيت المحطّة وأحسبني بها حالما ، وما تحقّقت البقاء ، علم الله ، حتى وصلتها سالما . فقعدت أنفض غبار الموت ، وأتفقّد قواي فأرى قد فات فيها الفوت . سوى بقيّة لم أعدم بها فضل الأقوات ، وأحسب لأجلها من أحياء الأموات . فلم يستقرّ قرارنا حتى شدّوا من ذلك المكان ، فانحلّ من عقد عزمي ما كان في حيّز الإمكان . ثم رحّلنا العيس ، على ذلك الرّأي التّعيس . وسرنا إلى أن وصلنا إلى شداد ، ونحن نطلب من اللّه تعالى أن يمدّنا منه بأمداد . مخلع [ البسيط ] :
فما نزلنا حتى ركبنا * والحال باق وفيه شدّه
فوقفت ممتثلا ، وأنشدت قولي متمثّلا : [ المجتث ]
شدّوا فحلّوا فؤادي * وكثرة الشدّ ترخي
فنزلنا بعد ربع الليل عرفة ، ورأى كلّ منا صاحبه وعرفه . فوقفنا ، وما توقّفنا . إلى أن هيّأوا لنا مراحا ، وما تقيّدوا به إلا وهم يبغون سراحا . فجلسنا بعضنا شاك فقد أحبابه ، والبعض الآخر شاك من الحجارة وما أصابه . وأنا بينهم ساكت ألفا ، وناطق خلفا . كيف وقد خلّفت ما يورث الهذيان ، وتأبى مواقعه أن يحوم حولها النّسيان . ثم انكفأنا انكفاء الحيا ، ولسان الحال يقول : لا سقيا ليومنا ولا رعيا . فما راعنا إلا المكاري وحزبه ينادون : هيّا فاركبوا ، طلع الفجر . فأبعدوا المدى ، وأزعجوا الصّدى . فنهضت من مرقدي نهضة جفلة ، وما أحسبني تنبّهت من غفلة . وركبت الليل البهيم ، والشوق إلى الرّقاد شوق إليهم . وما برحنا في برح وعنا ، حتى وصلنا مع الشروق إلى منى . فقلت لرفيق لي انتخبته ، ولمثل هذا الأمر انتجبته : هلمّ فلنسترح ونرح ، ونقيل في هذا المكان المنشرح .