تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
فانحزت في غمارهم ، وتمتّعت حينا بتحف أسمارهم . وأذكر يوما مرّ لي معهم في روض اخضرّت أشجاره ، وتنفّست عن المسك أسماره . مهزّة نبته ريّانة ، وصبوات سحبه حنّانة . ماؤه يبوح صفاؤه بأسراره ، وتلوح حصباه في قراره . ونحن ننفض أعطافنا أريحيّة ، ونتهادى رياحينه تحيّة . وبيننا حديث مستعذب ، يهزّ العطف اهتزاز العذب . فقلت أصفه : [ الكامل ]
للّه يوم الطائف البهج الذي * نلنا به أسنى منى وأماني مع فتية غرّ الوجوه حديثهم * مسترقص لمعاطف الأغصان رأت انتظام كلامهم أزهاره * فتناثرت في ساحة البستان وكذا الدّراري لم يرقها نظمها * فرمت بأنفسها إلى الغدران
ولما فارقتهم وجئت إلى مكة على طريق كرى ، وهو الذي يقول فيه شاعرهم :
عج عن كرى فهو مزيح الكرى * والنفس منه نفسا تخرج وفي الهدى ضدّ الهدى مساكن * يوشك من يسلكه يخرج
كتبت إلى المترجم : حالي بعد فراق أخي حال من فقد الرّوح ، وأضحى منازع الجسم المطروح . وشوقي شوق الظمآن ، لماء الغدران . والساري في الظلام ، لتبلّج البدر التّمام . وأمّا حديث سفرتي التي أنكت ، وأذكت حرّ هجيرها فأبكت . فمن حين ودّعت ، أودعت القلب ما أودعت . لم تغلط بي راحة إلا إلى الهدى ، ومنها بان عني الرشد وأخوه الهدى . فعلوت ذروة أرتني نجوم السماء مظهرة ، وهبطت نجوة كشفت لي تخوم الأرض مظهرة . فترجّلت هيبة وذعرا ، وسلكت مسلكا ما رأيت مثله وعرا . والرّفقة كلّ منهم في واد ، برؤيتهم قرناء احتاجوا إلى قوّاد . لكنّ منهم من تاه وضلّ ، وأدركه الإعياء فسئم الحياة وملّ . ومنهم من أخذته الحيرة ، واستولت عليه من أحلامه في كراه الظّهيرة . ومنهم ، وهم الكثير ، مؤتمون موجوعون ، زمرتهم :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[ البقرة : 156 ] . وأمّا أنا ، فلو رأيتني وعصاي لقوس قدّي وتر ، وقد جئت من كل نهزة للتهلكة على قدر .