فانحزت في غمارهم ، وتمتّعت حينا بتحف أسمارهم .
وأذكر يوما مرّ لي معهم في روض اخضرّت أشجاره ، وتنفّست عن المسك أسماره .
مهزّة نبته ريّانة ، وصبوات سحبه حنّانة .
ماؤه يبوح صفاؤه بأسراره ، وتلوح حصباه في قراره .
ونحن ننفض أعطافنا أريحيّة ، ونتهادى رياحينه تحيّة .
وبيننا حديث مستعذب ، يهزّ العطف اهتزاز العذب .
فقلت أصفه : [ الكامل ]
للّه يوم الطائف البهج الذي * نلنا به أسنى منى وأماني
مع فتية غرّ الوجوه حديثهم * مسترقص لمعاطف الأغصان
رأت انتظام كلامهم أزهاره * فتناثرت في ساحة البستان
وكذا الدّراري لم يرقها نظمها * فرمت بأنفسها إلى الغدران
ولما فارقتهم وجئت إلى مكة على طريق كرى ، وهو الذي يقول فيه شاعرهم :
عج عن كرى فهو مزيح الكرى * والنفس منه نفسا تخرج
وفي الهدى ضدّ الهدى مساكن * يوشك من يسلكه يخرج
كتبت إلى المترجم :
حالي بعد فراق أخي حال من فقد الرّوح ، وأضحى منازع الجسم المطروح .
وشوقي شوق الظمآن ، لماء الغدران .
والساري في الظلام ، لتبلّج البدر التّمام .
وأمّا حديث سفرتي التي أنكت ، وأذكت حرّ هجيرها فأبكت .
فمن حين ودّعت ، أودعت القلب ما أودعت .
لم تغلط بي راحة إلا إلى الهدى ، ومنها بان عني الرشد وأخوه الهدى .
فعلوت ذروة أرتني نجوم السماء مظهرة ، وهبطت نجوة كشفت لي تخوم الأرض مظهرة .
فترجّلت هيبة وذعرا ، وسلكت مسلكا ما رأيت مثله وعرا .
والرّفقة كلّ منهم في واد ، برؤيتهم قرناء احتاجوا إلى قوّاد .
لكنّ منهم من تاه وضلّ ، وأدركه الإعياء فسئم الحياة وملّ .
ومنهم من أخذته الحيرة ، واستولت عليه من أحلامه في كراه الظّهيرة .
ومنهم ، وهم الكثير ، مؤتمون موجوعون ، زمرتهم :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[ البقرة : 156 ] .
وأمّا أنا ، فلو رأيتني وعصاي لقوس قدّي وتر ، وقد جئت من كل نهزة للتهلكة على قدر .