فدقّ ذلك الأديب على طاس حتّى روى غلّة الصّدر ، فسأله الأمير عن سرّ ذلك ، فقال : هذه عادتنا إذا خسف البدر .
وأبدع من ذلك وأطرب ، ما حكاه العمريّ شيخ الأدب .
أنّه كان بدمشق في بيت قهوة ، مقيما لرسم حظّ ونشوة .
وإلى جانبه أديب يأنس الفكر بآدابه ، ويتعلّق الظّرف بأهدابه .
وبينهما حديث يفاوح زهر الرّبى ، ويطارح نغم حمام الأيك مطربا .
إذا ببدر حسن فارق فلكه ، وسقط لا يدري أيّ مسلك سلكه .
حتى إذا دنا منهما وقف واستوقف ، واختلس الألباب جذبا إليه وما توقّف .
فطفقا يسرّحان في محاسنه المعاني ويجيلان الألفاظ ، وبحكم الهوى يمدّان الأيدي ويشيران بالألحاظ .
فما ردّدا وجها ولا عطفا ، ولا جنيا وردا باللّحظ ولا قطفا .
حتى غشيهما شخص مهول المنظر في ذاته ، إذا رأى الطّرف شخصه ، أحال الله بينه وبين لذّاته .
فحال بينهما وبين ذلك البدر التّمام ، وحجبه عنهما كما يحجب البدر الغمام .
فقال ذلك النّديم : هذا خسوف عسى الله يؤذن بزواله ، ونسأله أن يدفع عنّا عقبى مصائبه وأهواله .
ثم نظر إلى ذلك الشّخص وقد كشف رأسه ، فإذا هو أقرع كأنّما رأسه طاسة .
فقال العمريّ : الآن تمّ التّخيّل من كلّ جهة .
ثم أخذ القلم ، وكتب على البديهة : [ الخفيف ]
حبس البدر أقرع عن عيوني * فغدا الطّرف خاسئا مطروفا
فتناولت رأسه لصفاع * بنعالي ، وصنت عنه الكفوفا
قال لي اللّائمون كفّ فنا * ديت دعوني وأقصروا التّعنيفا
عادة البدر ينجلي ليلة ال * خسف بدقّ النّحاس دقّا عنيفا
وتراءيت طاسة فجعلت الصّ * فع دقّا فكان عذرا لطيفا
« 38 » أحمد بن محمد الصّفديّ
إمام الدّرويشيّة
هامش
( 38 ) - هو الشيخ أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الصفدي الدمشقي ، الشافعي ، ثم الحنفي إمام الدرويشية ، ولد بصفد وقدم على دمشق وما جاوز العشرين بكثير ، فأقام بجامع المرادية مشتغلا بعلم القراءات ونسخ الكتب ، وكتب كثيرا ، ثم قرأ على جماعة من العلماء منهم الشيخ منصور السطوحي والشيخ عبد القادر الصفوري ، واستجازهما فأجازاه ، وحج فأخذ عن علماء الحرمين ، ثم تقلبت به الأحوال إلى أن صار شاهدا بالمحكمة الكبرى ، ومحكمة -