تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
صفد ، وإن كانت صدف هذه الدّرّة ، فقد طلعت في جهة دمشق منها غرّة ، وأحسن بها من غرّة . وبالتنقّل ترتقي ذوات الأصداف إلى الأعناق ، ويعلو تراب الأحجار إلى نور الأحداق . وهذا الأديب ممن صحبته دهرا ، واختبرت خلائقه سرّا وجهرا . فلم أر مثله رجلا مأمون الصّحبة ، ميمون النفس والمحبّة . حلمه هضبة لا تستخفّها الخدع ، وعلمه علامة لا تستفزّها البدع . إن هززته لمكرمة ارجحنّ ، أو ذكّرته بحسن عهد حنّ . فكنت أتوارد معه على مفاكهة إذا جليت فما الرّاح والتّفاح ، وإذا ذكرت فما ريحان الأصداغ إذا فاح . وهو من مكثري شعراء العصر ومجيديهم ، وإن لم يكن من مكثريهم بالعوائد ومجتديهم . ليس لأحد منهم عشر شعره ، إلّا أنّه منفق منه على قدر سعره . وقد أطلعني على « ديوانه » المنتخب ، الذي ضمنّه نخب النّخب . فجرّدت منه ما يعبق عبقة المسك الفتيت ، ويفوه عن ثغر ألمى معسول الرّضاب شتيت . فمنه قوله ، في الغزل : [ المديد ]
راح يثني عطفه مرحا * أيّ صبّ من هواه صحا مفرد في الحسن ليس له * من شبيه فاق شمس ضحى ينجلي في ليل طرّته * منه مسك الخال قد نفحا خدّه ورد ومقلته * نرجس يسقي النّهى قدحا مهجتي في حبّه تلفت * واصطباري في الهوى نزحا ما رأينا مثله قمرا * بالبها يختال متّشحا قام يسقي الراح من يده * ضاحكا مستبشرا فرحا لو له بدر السما لمحا * في ليالي تمّه لمحا كلما أشكو له ترحا * في هواه زادني ترحا
هامش
الباب ، ثم ترك وصار إماما بجامع المرحوم درويش باشا وخطيبا بجامع الآغا . وسافر إلى الروم مرات ونال جهات ومعاليم ، ودرس بالعمرية ووعظ بالجامع ، وكان يقيم أكثر أوقاته بالخلوة بجامع الدرويشية يدرس فيها القراءات والحديث والعقائد والفقه والأدب . وله من التآليف منظومة في العقائد ، وكتاب جمع فيه ألف حديث . وكانت وفاته في شهر ربيع الثاني سنة مائة وألف ، ودفن بمقبرة باب الصغير ، ولم يتجاوز الستين بكثير ا . ه . خلاصة الأثر ( 1 / 356 ) .
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 218 | محمد أمين المحبي