صفد ، وإن كانت صدف هذه الدّرّة ، فقد طلعت في جهة دمشق منها غرّة ، وأحسن بها من غرّة .
وبالتنقّل ترتقي ذوات الأصداف إلى الأعناق ، ويعلو تراب الأحجار إلى نور الأحداق .
وهذا الأديب ممن صحبته دهرا ، واختبرت خلائقه سرّا وجهرا .
فلم أر مثله رجلا مأمون الصّحبة ، ميمون النفس والمحبّة .
حلمه هضبة لا تستخفّها الخدع ، وعلمه علامة لا تستفزّها البدع .
إن هززته لمكرمة ارجحنّ ، أو ذكّرته بحسن عهد حنّ .
فكنت أتوارد معه على مفاكهة إذا جليت فما الرّاح والتّفاح ، وإذا ذكرت فما ريحان الأصداغ إذا فاح .
وهو من مكثري شعراء العصر ومجيديهم ، وإن لم يكن من مكثريهم بالعوائد ومجتديهم .
ليس لأحد منهم عشر شعره ، إلّا أنّه منفق منه على قدر سعره .
وقد أطلعني على « ديوانه » المنتخب ، الذي ضمنّه نخب النّخب .
فجرّدت منه ما يعبق عبقة المسك الفتيت ، ويفوه عن ثغر ألمى معسول الرّضاب شتيت .
فمنه قوله ، في الغزل : [ المديد ]
راح يثني عطفه مرحا * أيّ صبّ من هواه صحا
مفرد في الحسن ليس له * من شبيه فاق شمس ضحى
ينجلي في ليل طرّته * منه مسك الخال قد نفحا
خدّه ورد ومقلته * نرجس يسقي النّهى قدحا
مهجتي في حبّه تلفت * واصطباري في الهوى نزحا
ما رأينا مثله قمرا * بالبها يختال متّشحا
قام يسقي الراح من يده * ضاحكا مستبشرا فرحا
لو له بدر السما لمحا * في ليالي تمّه لمحا
كلما أشكو له ترحا * في هواه زادني ترحا
هامش
الباب ، ثم ترك وصار إماما بجامع المرحوم درويش باشا وخطيبا بجامع الآغا .
وسافر إلى الروم مرات ونال جهات ومعاليم ، ودرس بالعمرية ووعظ بالجامع ، وكان يقيم أكثر أوقاته بالخلوة بجامع الدرويشية يدرس فيها القراءات والحديث والعقائد والفقه والأدب . وله من التآليف منظومة في العقائد ، وكتاب جمع فيه ألف حديث .
وكانت وفاته في شهر ربيع الثاني سنة مائة وألف ، ودفن بمقبرة باب الصغير ، ولم يتجاوز الستين بكثير ا . ه . خلاصة الأثر ( 1 / 356 ) .