تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وقد لام في مثل عشقي لها * وما شاهد الخال في وجهها
ومما نسبه البديعيّ إليه ، وأظنّه مغصوبا ضمانه عليه ، قوله : [ البسيط ]
أفدي الّذي دخل الحمّام متّزرا * بأسود وبليل الشّعر ملتحفا دقّوا بطاساتهم لمّا رأوه بدا * توهّما أنّ بدر التّمّ قد كسفا
وهذا تخيّل حسن ، أجاد فيه وأحسن . وأصله ما اشتهر في بلاد العجم أنّ القمر إذا خسف يضربون على النّحاس ، حتى يرتفع الصّوت زاعمين بذلك أن يكون سببا لجلاء الخسوف ، وظهور الضّوء ، هكذا قاله بعض الأدباء . والذي ثبت في أصله ما نقله غير واحد ، أن هلاكو ملك التّتار ، لما قبض على النّصير الطّوسيّ ، وأمر بقتله لإخباره ببعض المغيّبات . فقال له النّصير : في اللّيلة الفلانيّة في الوقت الفلانيّ يخسف القمر . فقال هلاكو : احبسوه ، إن صدق أطلقناه وأحسنّا إليه ، وإن كذب قتلناه . فحبس إلى اللّيلة المذكورة ، فخسف القمر خسوفا بالغا . واتّفق أن هلاكو غلب عليه السّكر تلك اللّيلة ، فنام ، ولم يجسر أحد على إنباهه . فقيل للنّصير ذلك . فقال : إن لم ير القمر بعينه ، وإلّا فأصبح مقتولا لا محالة . وفكر ساعة ، ثم قال للمغل : دقّوا على الطّاسات ، وإلّا يذهب قمركم إلى يوم القيامة . فشرع كلّ واحد يدقّ على طاسته ، فعظمت الغوغاء ، فانتبه هولاكو بهذه الحيلة ، ورأى القمر قد خسف ، فصدّقه ، وبقي ذلك إلى يومنا . ومن اللّطائف أنّ أديبا من العجم ، وقد خفي عنّي اسمه واستعجم . كان صحبته أمير كبير ، في روض يتفتّق عن عبير . وبه بركة ما ، أصفى من ريقه ألمى . يحفّها طائفة من الغلمان ، هذّبت باللطف طباعها ، وتركت بحكم صورها الجميلة في الأجسام الصّقيلة انطباعها . وفيهم فتى زائد الاشتهار ، كالبدر إلّا أنّه يبقى على ضوء النّهار . فحيّاهما بجامه ، ووقف يثير شجوها برقّته وانسجامه . والبركة قد انعكست فيها تلك الصّور الظّواهر ، فتخالها نجوما وهو بينها القمر الزّاهر . فخامرت الأديب من خياله سورة ، وتخيّل أن البدر يهديه نوره . ففطن الأمير للأمر الذي وضح ، وحرّك الماء بقضيب فانمحى الخيال الذي فضح .