أوّاه من نكد الزّمان وجوره * وترفّع الأنذال والمتسفّل
ومن الرّزيّة لا ترى من منصف * أو مسعف إلّا وبالأهوا ملي
والهف قلبي من زمان شأنه * رمي الأفاضل بالعناء المعضل
وتعزّز الوغد اللّئيم أخي الأذى * وتذلّل العزّ الكريم المأمل
فاض اللّئام وغاض كلّ ممنّع * وسطا بسطو البأس كلّ مجهّل
وتوزّعت نوب النّوائب وانثنى * فيها الكرام بذلّة وتململ
وارتاح منها كلّ خبّ جاحد * وبها رقى العلياء كلّ معلّل
« 29 » محمد بن تقيّ الدّين الزّهيريّ
زهرة الأدب ونزهته ، وخلسة الحظّ ونهرته .
ومن تخمّرت طينته بماء اللّباقة ، فأفرغت جسما في قالب اللّياقة .
أدركته وقدّه من الهرم يرتعش ، لكن بمنادمته الرّوح تنتعش .
وسمعتهم يقولون : إنه في ريعان غضارته ، كان محسود الغصن الفينان في نضارته .
ثم محاسنّه محاسنه ، ولكن يعزّ على ذي لسن أن يلاسنه .
وعهدت أبي بوّأه اللّه دار رضوانه ، يميّزه بالفضل على أخدانه « 1 » وإخوانه .
ويقول : هو تامّ في آلته ، لو أنّ قلبه متماسك متمالك ، كامل في حالته ، إلّا أنّ مدد صبره متفان متهالك .
وقد رأيت له شعرا قذف به بحر طبعه ، فذكرت منه ما يدّلّ على فضله دلالة الماء على صفاء نبعه .
فمنه قوله : [ الوافر ]
إذا زرت الصّديق الشّهر يوما * يرى إكرام مثواك الثّوابا
وإن كرّرته يوما فيوما * ولم تحز السّلام ولا الخطابا
هامش
( 29 ) - هو محمد بن أبي بكر بن محمد بن محمد المعروف بالزهيري الدمشقي الشافعي ، الفاضل النبيل الأصل .
مات أبوه التقي وهو طفل فنشأ في تربية عمه القاضي نجم الدين ، واعتنى به فألزمه بالاشتغال فاشتغل على الشرف الدمشقي والشيخ عبد اللطيف الجالقي ، وأخذ عن النجم الغزي ولزم دروسه زمانا طويلا ، وصار خطيبا بجامع المعلق ، ومعيدا لدروس المدرسة الشامية البرانية . وألف وصنف ، ومن تآليفه « شرح لامية ابن الوردي » و « شرح ديوان ابن الفارض » . وكان في آخر عمره أصيب بولد نجيب حزن عليه حزنا شديدا ، وضاقت أخلاقه بعد ذلك وتغيرت معاملته مع الناس ، وابتلي باستعمال الأفيون ، وكان متهما بالكذب .
وكانت وفاته في سنة ست وسبعين وألف ودفن بمقبرة باب الصغير . ا . ه خلاصة الأثر ( 3 / 332 ) .
( 1 ) الأخدان ، جمع خدن : وهو الصديق . انظر لسان العرب ، مادة / خدن / .