غرائب حديثه نزه العقول ونجع الأسماع ، يتجاوز بها غايات لم تختلج في خواطر الأطماع .
وشعره يفعل بالألباب فعل بنات الدّنان ، وما السّحر سحر مراض الأجفان ، ولكنّما هو سحر البيان .
وذكر مبدأ أمره ، ومطلع قصيدة عمره .
أنّه تعاني الاشتغال وخطّ غداره ما بقل ، ثم خرج إلى مصر وروضه على أوّل ما ينزّه المقل .
ثم تتابعت عليه الرّحل يمينا وشمالا ، وهو يترقّى في المعارف استيلاء واشتمالا .
ولم يبق بلدة إلّا جنى ثمرها ، واستفاد وقائعها وسمرها .
ولا رئيس إلّا فاز بنعمه ، وحصل على غرائب قسمه .
حتى وصل إلى مجلس السّلطان في خاتمة المطاف ، فأقام برهة في مبرّات وألطاف . وقد خطبته الخطوة ، وما قصّرت له الخطوة .
ولحظته السّعادة بأبصارها ، وتواردت لحفايته بأنصارها .
ثم كثر فيه المخلّط واللّاغي ، واشرأبّت النّفوس إلى ما في طبائعها من التّباغي .
فأبعد بعد ذلك التّقريب ، وأوشك أن يجفوه البعيد والقريب .
وجرّبه الدهر بالأقدار ، تجربة الياقوت بالنّار .
ثم أعطي مدرسة بدار الخلافة ، فطاوعه البخت بعد ما أراد خلافه .
واستقرّ الأمل لديه ، استقرار الطّرس في يديه .
ولمّا كنت بأدرنة وردها فلقيته برهة ، لا أعدّها من عمري إلا نزهة .
وكنت من الاغتراب ، في نهاية الوحشة والاضطراب .
فأنست به بعد التّوحّش ، وأنسيت موردا أرواني من التّعطّش .
ولما كان مقامه بها كنغبة « 1 » طائر على وجل ، لاهتمامه بالعود إلى مقرّه على عجل . [ الكامل ]
لم أستتمّ عناقه للقائه * حتى ابتدأت عناقه لوداعه
فكتبت إليه عند الوداع ، رقعة محكمة الإبداع ، وهي : [ السريع ]
إمامك التّوفيق والرّشد * وخدنك التّأييد والسّعد
وكلّما حلّيت في منزل * قابلك الإقبال والجدّ
مولاي من ذكره أنيسي ، في وحشتي وغربتي ، وخيال لطفه جليسي ، في وحدتي وكربتي ، [ البسيط ]
هامش
( 1 ) نغب الطائر ، ينغب نغبا ، حسا من الماء . والنّغبة والنّغبة بالضم : الجرعة . انظر لسان العرب ، مادة / نغب / .