ونديم رقّت حواشيه لطفا * وبحكم الهوى تحجّب نيله
سمهريّ القوام ما ماس تيها * أو دلالا إلّا وأتلف ميله
ذي محيّا كالبدر في جنح ليل * باختلاس العقول قد جنّ ليله
جئت من تحت ذيله مستجيرا * والتّجنّي عليّ يسحب ذيله
قلت يا من في حلبة الحسن قد حا * ز السّبق حيث الجمال تركض خيله
الأمان الأمان من حرب إعرا * ضك عن مغرم تراكم ويله
ومن مجونه المستغرب قوله :
لنا صاحب مغرى بعون ذوي الهوى * يشاركهم في وجدهم والتّولّه
إذا عزّ أن يلقى محبّا رقى على الشّ * واهق يستقري دخان التّأوّه
وله في المنزلة المعروفة بالوجه ، في طريق الحاج المصريّ :
شكا أهل وجه قلّة الما بأرضهم * وأنّ الحيا شحّت عليهم سماؤه
فقلت لهم قولا لهم فيه سلوة * إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه
المصراع الأخير مضمّن من قول القيراطيّ في هذا المحلّ :
أقول وقد جئنا إلى الوجه جمعنا * عطاشا وكلّ خاب فيه رجاؤه
إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه * ولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه
قلت : ووجه الهجو للوجه ، بسبب قلّة مائه هو الوجه . وللقطب المكّيّ في مدحه :
أقول ووادي الوجه سال من الحيا * وقد طاب فيه للحجيج مقام
على ذلك الوجه المليح تحيّة * مباركة من ربّنا وسلام
وللقيراطي فيه :
أتيت إلى الحجاز فقلت لمّا * تبدّى وجهه لي وارتويت
وكم في الأرض من وجه مليح * ولكن مثل وجهك ما رأيت
وهذا قد ظهرت فيه الوجهة ، واندفعت عنه الشّبهة .
وبهذا تعلم مذهب العرب ، وأهل الأدب ، في مدح الشيء وذمّه ، كما فعل الحريريّ في الدينار .
وقد ألّف الثّعالبيّ ، وابن رشيق في ذلك .
قال ابن رشيق : أكثر ما تجري هذه المحامد والمذامّ على جهة المسامحة ، لا من باب المشاححة ؛ وإلّا فالشّيء لا يوافق ضدّه ، فيكون الحسن قبيحا والقبيح حسنا في حال واحدة لمعنى واحد ، لكن لكلّ شيء كما ذكر الجاحظ مساو ومحاسن ، كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وقد استشهده الزّبرقان بن بدر على ما ادّعاه من الشّرف في قومه .
قال عمرو : أجل يا رسول اللّه ، إنّه مانع حوزته ، مطاع في أدنيه ، شديد العارضة .