وحجّ بهيئة كبيرة وتلامذة كثيرة ، واجتمع بالسّلطان فعظّمه ولم يقبل منه شيئا ، ولم يسأله لأحد في حاجة .
وكان كلّ من أنكر عليه حاله ، إذا اجتمع به زال عنه ذلك ، منهم ابن سيّد النّاس « 1 » ، وغيره .
وأنكروا عليه أنّ في زاويته منبرا للخطيب ، فيصلّي النّاس الجمعة والجماعة ولا يصلّي معهم ، وكان إذا جاءه أحد وجاء وقت الصّلاة ، أشار لمن يتعانى الأذان أن يؤذّن ، ولمن يتعانى الإمامة أن يؤمّ ، ولمن يتعانى الخطابة أن يخطب ، من غير أن يعرف أحدا منهم .
وكان حسن الشّكل ، منوّر الصّورة ، جميل الهيئة ، حسن الأخلاق ، كثير التلاوة ، وكان يفتي بلفظه لا بالكتابة .
وكان يتكلّم على الخواطر فلا يخطئ أبدا .
وكان قليل الشّطح ، حسن المعتقد .
وعظم شأنه في الدّولة جدا ، حتى كان يكتب في ورقته إلى كاتب السرّ ، وغيره من أركان الدّولة في المهمات فلا يستطيع أحد ردّها .
وكان يحضر لكلّ أحد ما يشتهي ممّا لا يوجد إلا في القاهرة أو دمشق .
وما يحكى عنه لم يسمع بمثله في سالفة الدّهر .
وبالجملة كان ذا برّ ومعرفة ومعروف ، وطريق غير مألوف .
بات ليلة في صحّة وعافية ، وأرسل إلى من حوله أنّه عرض أمر مهمّ يقتضي حضوركم ، فحضروا ، فدخل خلوته صحيحا سليما فأبطأ ، فطلبوه ، فوجدوه ميتا في رمضان سنة سبع وثلاثين وسبع مائة . ودفن بزاويته بقرية بني مرشد ، وقد جاوز السّتين .
هامش
( 1 ) ابن سيد الناس : محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمري الربعي ، أبو الفتح ، فتح الدين ، مؤرخ ، عالم بالأدب ، من حفاظ الحديث ، له شعر رقيق ، أصله من إشبيلية ، مولده ووفاته في القاهرة ، من تصانيفه « عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير » وغيره . توفي سنة 734 للهجرة . الأعلام .