يحبّون الأدب معهم ، ولهم اطّلاع على خواطر من يمرّ بهم في دركهم ، وعلى معرفة أعمالهم ، ولهم تأديب من حصلت منه زلّة .
وكان يردّ ما يأتيه من الظّلمة والأكابر ، ثمّ قبله آخر عمره ، وفرّقه على العميان والعاجزين .
وكان يزجر من يريد تقبيل يده ، ويقول : إنّما يليق بأرباب المناصب ، أمّا الفقير فاللائق به الذّلّ حتّى يجاوز الصّراط ، ويدخل الجنّة .
وكان يربّي بالنّظر تارة ، ويأمر المريد أن يشرب من إبريقه تارة ، فيقوم مقام التّلقين وأخذ العهد .
وكان يطوف على المساجد يوم الخميس ويوم الجمعة فيكنس وينظّف احتسابا ، وينظّف المقياس كلّ سنة صبيحة نزول النّقطة « 1 » ، فيكشط سلّمه من الطّين ، ثمّ ينزل يتوضّأ ويصلّي ، ويدعو ، ويبكي ، ويتضرّع إلى اللّه في طلوع النّيل ، ويقول لإخوانه : زوروا محلّ نزول الرّحمة لأهل مصر . ولا يطلع الرّوضة إلّا على طهر .
وكان يقرأ من لوح قلبه ، ومطمح « 2 » بصره اللّوح المحفوظ من المحو .
وكان له طبّ غريب يداوي به ذوي العاهات كبرص وجذام ، فكلّ ما أشار باستعماله فيه الشّفاء . فطلب منه بعض أصحابه تدوين ذلك في كتاب ، فقال :
إنّما هي أمور بحسب الإذن ، فإن استعملت بغير إذن لم تؤثّر .
وأكل رجل سمّا ، فقال له : كل من النّارنج ما تقدر عليه بشحمه من على أمّه
هامش
( 1 ) نزول النقطة : يبدأ النيل فيضانه في أول الانقلاب الصيفي ، وتحديدا ليلة الحادي عشر من شهر تموز ( الشهر السابع ) وهو ما يعرف بليلة نزول النقطة ، وكان للمصريين فيه عيد كبير هو المشهور عند الأقباط بعيد ميكائيل ، وفيه يبدأ عادة بقياس قاع النيل ، ثم يأخذ النيل في « التوحم » وهو في عرف المصريين تلون مائه بالخضرة ، ورائحته بالعفونة المسببة عن أصول النباتات المائية . لأجل النيل صفحة 8 .
( 2 ) في ( أ ) : ومطمع .