وقال : ومنها : أنّه وقع لي قرب سفري إلى الحجاز ما يقتضي الانجماع عن النّاس ، فقال لي : يا فلان ، الرّجل إذا أقبل على اللّه عزّ وجلّ يقبل النّاس عليه أوّلا ، ثمّ ينحرفون عنه ، ويؤذونه ؛ لأنّه سنّة اللّه في عباده جرت ببلائهم واختبارهم تطهيرا لهم من السّكون إلى الخلق ، وتخليصا لهم من الالتجاء لغير الحقّ . قال تعالى :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
[ العنكبوت : 2 - 3 ] .
ثمّ حكى أنّ شيخه الطباطبي كان بخلوته بجامع عمرو ، فتسلّط عليه رجل من الأمراء الأتراك اسمه قرقماس الشّعباني « 1 » ، وأخرجه منها ، فأصبح السيّد ، فجاءه رجل فقال : رأيتك اللّيلة قاعدا بين يدي المصطفى عليه الصّلاة والسّلام ، وهو ينشدك :
يا بني الزّهراء والنّور الذي * ظنّ موسى أنّه نار قبس
لا أوالي الدّهر من عاداكموا * إنّه آخر سطر في عبس
- وذلك قوله :
أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
[ عبس : 42 ] - ، قال : ثمّ أخذ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم عذبة سوط في يده فعقدها ثلاث عقد .
قال شيخنا شيخ الإسلام الشّرف المناوي : فكان من تقدير اللّه أن ضربت رأس قرقماس ، فلم تقطع إلّا بثلاث ضربات ، فكان ذلك السّوط من قبيل
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
[ الفجر : 13 ] .
ثمّ قال لي شيخنا شيخ الإسلام : يا فلان ، إذا قام الفقير بخلوة فأخرج منها ، فجلس بموضع قيّض اللّه عمارته « 2 » ، ولو كان مزبلة . فسافرت إلى المدينة ، وأقمت بها بخلوة ، فأقبل النّاس عليّ ، ثمّ انحرفوا وأخرجوني منها ، فلم أجد
هامش
( 1 ) قرقماس بن عبد اللّه الأتابكي الشعباني الناصري ، الأمير الكبير ، ما زال يعلو حتى أصبح أمير مكة ثم تولّى نيابة حلب ، ثم صار أتابكا أوائل دولة الظاهر جقمق ، فأقام أياما وعصى السلطان وقاتل وانكسر واختفى ، ثم ظهر بالأمان ، وقبض عليه وقتل بالإسكندرية سنة 842 ه ، وكان ضخما مهابا ، وعنده ظلم وعسف . انظر الدليل الشافي 2 / 541 ، وخبر مقتله في النجوم الزاهرة 15 / 281 .
( 2 ) في ( أ ) : قيض اللّه من يقوم بعمارته .