ومضى لسبيله ، وآثار إحسانه للعيون مشاهدة ، وحسنات صنيعه في صحائف الأيّام واللّيالي خالدة ، ليلة الاثنين ثاني عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعين وثمان مائة . وارتجّت الدّنيا لموته ، ونزل للصّلاة عليه في سبيل المؤمني « 1 » السّلطان فمن دونه ، في مشهد اعترف الحبيب والعدوّ ، والمقرّ والجاحد ، والمعتقد والحاسد ، أنّه لم ير مثله .
وحمل جنازته الأمراء والكبراء ، وتقدّم للصّلاة عليه ولده زين العابدين « 2 » بعد ما تزاحم على التقدّم كلّ من القضاة الأربعة ، فقدّم السّلطان الولد وصلّوا عليه صلاة الغائب في الحرمين والشّام .
قال صاحب « الضّوء » « 3 » : وجاء العلم بذلك ، وأنا بمكّة ، فارتجّت واضطربت ، وصلّوا عليه صلاة الغائب .
وقال : ولم يخلف بعده مثله في مذهب الإمام الشّافعيّ « 4 » .
ولمّا تأهّب السّلطان للرّكوب للصّلاة عليه ، ترادفت عليه الرّقاع بالسّعي في جهاته ، والصّحائف بالشّفاعات فجمعها . ثمّ لمّا قبّل الولد يده أمر بدفعها كلّها إليه ، وقرّره في تدريس الإمام الشّافعيّ وجميع جهاته ، وعمره إذ ذاك نحو عشرين سنة .
وكان أهل البلد الشّافعيّة ، إمّا جماعة أبيه ، أو جماعة جماعته ، فاستصغروه وحسدوه ، واستكثروا عليه ذلك .
هامش
( 1 ) سبيل المؤمني : تنسب إلى الأمير سيف الدين بكتمر بن عبد اللّه المؤمني فقد أنشأها وأنشأ بجوارها مصلاة حوالي سنة 765 ه . خطط مبارك 5 / 123 . وجاء في الأصول : سبيل المؤمنين .
( 2 ) محمد بن يحيى بن محمد المناوي زين العابدين ، ممن خلف والده في تدريس المذهب الشافعي وغيره ، وأقرأ وأفتى وصنف ، وكان زائد الإدراك لا سيما الفقه ، مع حسن الشكالة ووفور العقل وقلّة الكلام ، والفتوة والكرم ، توفي سنة 873 ه . وجيز الكلام 2 / 802 ، الضوء اللامع 10 / 75 ، و 11 / 173 .
( 3 ) الضوء اللامع 10 / 256 .
( 4 ) في المطبوع : ولم يخلف بعده في الإقبال على المذهب غيره .