وكان من بقايا سادات الأئمّة ، وخبايا زوايا هداة قادات الأمّة ، جزيل الورع ، قليل الرّيّ والشّبع ، يكتفي بالبلغة من الطّعام ، ويقنع بالنّغبة « 1 » من المورد العذب وإن لم يكن كثير الزّحام ، مستعينا بالصّبر والصّلاة ، متقرّبا بحسن العمل إلى خالق الموت والحياة ، متنزّها في رياض الأذكار ، محافظا على ذلك بالعشيّ والإبكار ، مراقبا من لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، سالكا في الزّهد منهاج آبائه الأخيار ، ومقتفيا في الورع آثار الأولياء الأبرار ، صابرا عند تزاحم الأخطار ، وصادقا في نقل الأخبار عن الأخيار ، مقتديا بالقانتين « 2 » والمستغفرين بالأسحار .
ذا تصانيف مفيدة ، وتعليقات بحورها مديدة « 3 » ، ومكارم نبلها زائد ، وصلات نفعها على الطلّاب عائد إن بحث في الفقه . قال المزني : ما هذا المزن الهاطل ! ؟ وإن قرّر في التّصوّف تلا لسان أهل التّصرّف :
جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ
[ الإسراء : 81 ] .
انتهت إليه رئاسة المذهب في عصره ، وحاز من المآثر ما تعجز الأقلام عن حصره .
وكان كلّ واحد من جدّه فما فوقه من عمود نسبه موصوفا بالصّلاح والتزهّد وكمال النّسك والتعبّد .
وكان جدّه الشّهاب ينعت بقدوة الزّهّاد ، كما قاله جمع من الأثبات الأمجاد ، منهم الحافظ السّخاوي ، وغيره ، قال : والحدّاديّ نسبة إلى قرية من قرى تونس ، انتقل الجمال منها إلى منية بني خصيب « 4 » من الصّعيد ، وأقام في
هامش
( 1 ) النّغبة : الجرعة . متن اللغة ( نغب ) .
( 2 ) في ( أ ) : بحسّ ، مقتديا بآية القانتين . . .
( 3 ) في ( أ ) : محررة مديدة ، وفي ( ف ) : نحورها مديدة .
( 4 ) منية بني الخصيب ، وفي نزهة المشتاق للإدريسي : منية ابن الخصيب ، وفي معجم البلدان : منية أبي الخصيب ، وفي الخطط المقريزية : منية الخصيب ، نسبة إلى الخصيب بن عبد الحميد صاحب خراج مصر من قبل هارون الرشيد ، وتسمى