واجتمع بالشّيخ عليّ وفا في وليمة ، فقال وفا : ما تقول في رجل رحاة الكون بيده يديرها كيف شاء ؟ فقال الحنفي : ما تقول فيمن يضع يده عليها فيمنعها أن تدور ؟ قال عليّ : كنّا نتركها ونذهب . فقال الحنفيّ لأصحابه سرّا :
ودّعوا الشّيخ ؛ فإنّه يموت قريبا . فكان كما قال . فما مضى غير ليال حتّى سمع الحنفيّ هاتفا ليلا يقول : يا محمد ، ولّيناك ما بيد عليّ زيادة على ما بيدك .
فعلم أنّ ذلك لا يكون إلّا بموته ، فأرسل فورا إلى حارة عبد الباسط يسأل عن سيّدي عليّ ، فوجد الصّياح .
ورأى الشّريف النّعماني « 1 » رسول اللّه وبين يديه الحنفيّ ، وهو يقول لأبي بكر : أنا أحبّ هذا الرّجل ، إلّا أنّ عمامته صمّاء . فأخذ أبو بكر عمامة نفسه وجعلها على رأس الحنفيّ ، وأرخى لها عذبة عن يساره ، فأتاه فأخبره ، فعمل عمامته كذلك .
وترك الطّيلسان « 2 » الذي كان يركب به من يومئذ حتّى مات .
وكان ابتداء شهرته أنّ السّلطان فرج بن برقوق « 3 » أكثر الرّمايا على النّاس ،
هامش
( 1 ) في الأصول : العثماني . والمثبت من السر الصفي 1 / 16 ، وطبقات الشعراني 2 / 90 . جاء في السر : كان بمصر العتيقة رجل شريف يعرف بالشريف النعماني بمدرسة تعرف بالنعمانية ، وكان من أصحاب سيدي . . .
( 2 ) الطيلسان : ضرب من الأكسية ، وأطلقه أحمد تيمور على ما يسمى الشال . متن اللغة ( طلس ) .
( 3 ) فرج ( الملك الناصر ) بن برقوق ( الظاهر ) ( 791 - 815 ه ) من ملوك الجراكسة بمصر والشام ، بويع بالقاهرة سنة 801 ه ، وكان صغيرا فقام بتدبير ملكه الأتابكي ايتمش البجاسي ، حارب نواب حلب وحماة وصفد وطرابلس وغزة الذين امتنعوا عن الطاعة وانتصر عليهم ، ولما زحف تيمور لنك على الشام سنة 803 ه ترك الشام فريسة لتيمور لنك وعساكره نهبا وحرقا وتعذيبا ومحوا ، وقفل لمصر ، اختفى بمصر بعد أن وجد من أمرائه مخالفة ، فبايعوا أخاه عبد العزيز بن برقوق فلم يلبث أن ظهر وعاد للسلطنة بعد أن قتل أخاه ، وأفرط في قتل مماليك أبيه ، فخرج بعضهم إلى بلاد الشام والتف حولهم كثيرون فخرج إليهم وانهزم فدخل دمشق ، فنادوا بخلعه ، فأرسل إليهم بطلب الأمان ، فقيدوه وسجنوه في قلعة دمشق ، ثم أثبتوا عليه الكفر وقتلوه في القلعة .