وحضر وليمة رجل ببيت على الخليج ، فاشتغل الرّجل بمدّ السّماط ، فسقط له ولد ابن ثلاث سنين في الخليج أوّل اللّيل ، فلم يتذكّروه إلّا آخره ، فأخبر الشّيخ به ، فقال : اذهبوا إلى القنطرة تجاه جامع الظّاهر ، تجدوه بجنب الجرف ، والرّوح فيه . فوجدوه كذلك فعاش طويلا .
وكان يحثّ أصحابه على الحرفة ، ويقول : من لا كسب له كالمرأة ، لا حظّ له في الرّجوليّة « 1 » .
وترك رجل الاحتراف ، وقعد بزاويته ، فقال له : لم ؟ فقال : رأيت بومة عمياء في طاقة ، يأتيها صقر كلّ يوم بلحم ، فقلت : أتوكّل على اللّه ؛ فإنّه لا يضيّعني . فقال له : لأيّ شيء تجعل نفسك كبومة ، ولا تجعلها صقرا تأكل من كسبك ، وتطعم غيرك ؟ .
وكان إذا دخل بستانا ، نادته أشجاره وحشيشه ، وأخبرته بما فيها من المنافع والمضارّ .
ووقع له أنّ رجلا من جماعته أراد جماع زوجته ، فصاح بعض أولاده ، وكانوا سبعة ، فقال : اسكت ، أماتكم اللّه . فمات السّبعة ، فبلغ المتبولي ، فأحضره وقال : أماتك اللّه . فمات حالا . وقال : لو عاش أمات ناسا كثيرا .
وكان يقول لأصحابه : من أدرك النّصف الثّاني من القرن العاشر فلا يشدّد في إزالة منكرات الولاة ، إلّا إن كان له نصير يعضده ، أو حال يحميه . وقد قتل خلق كثير ، ونفوا بإنكارهم على الولاة بدون ذلك .
وكان يقول : لا ينبغي لفقير أن يظهر كرامة إلّا بقدر حماية أصحابه ؛ فإنّ من لا كرامة له لا يحمى له صاحب .
هامش
أواخر دولة الجراكسة ، قدم دمشق وحلب مع قانصوه الغوري ، وانتهت إليه الرئاسة في العلم ووقف الناس عند فتاويه ، توفي بالقاهرة سنة 936 ه ، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق . الكواكب السائرة 2 / 46 .
( 1 ) في ( أ ) : الرجولة ، وفي ( ف ) والمطبوع : الربوبية .