وكان متجرّدا من الدّنيا ، لا يبيت على معلوم ، وعرضت عليه الإقطاعات فأباها .
وكان نفقة الفقراء كلّ يوم على فقير يطوف بالأبواب والحوانيت فيقف ، ويقول : اللّه . مادّا صوته ، حتى يكاد يسقط . فكلّ ما أعطيه « 1 » من لقمة أو كسرة خبز يضعه في مكتل ، ويأتي به . وإذا كان يوم الشيخ كان أقل طعاما منهم أجمعين ، فيقول : بشريّتكم باقية ، فبينكم وبين النّاس مجانسة ، وأنا بشريّتي فنيت حتى لا تكاد ترى ، فليس بيني وبينهم رابطة « 2 » .
ولما أمر بالرّحيل من العجم إلى مصر كان بها الشيخ حسن الششتري ، وكان رفيقه عليّ الشّيخ الأصفهاني وغيره ، وكان يقاربه في الرّتبة ، بل قيل أعلى ، فتلقّاه وأكرمه ، وقال : الطّريق إنّما هي لواحد ، والبقيّة مساعد ، فإمّا أن تبرز وأنا خادم ، أو أبرز أنا وأنت خادم ، مساعدة كلّ منا لصاحبه ، فاستقرّ الأمر على بروز الشّيخ يوسف ، فشدّ الشّيخ حسن وسطه ، ووقف في خدمته ، مع أنّه كان أوفى في المقام من الشّيخ يوسف ، كما قاله الشيخ عليّ المرصفيّ ، وغيره .
ثم أظهر الشّيخ يوسف الكرامات الخوارق . وكان يغلق باب الزّاوية فلا يفتحه إلّا لحاجة . وإذا أتاه بعض بني الدّنيا للزّيارة يقول لنقيبه : انظر إن كان معه شيء للفقراء افتح ، وإلّا فلا زيارات فشّارات .
فقيل له : يا أستاذ ، الدّنيا لا قدر لها عندكم ؟ فقال : أعزّ ما عند الفقير وقته وأنفاسه ، وأعزّ ما عند بني الدّنيا مالهم ، فإن بذلوا لنا ما عندهم بذلنا لهم ما عندنا .
وفي رواية : لا يفتح باب الزّاوية إلّا لمسترشد ، أو مكروب ، أو معه برّ للفقراء ويقول : أعزّ ما عندنا وقتنا ، وما عندهم دنياهم ، فما عندهم حسن فهو
هامش
الخرقة ، وتلقين الذكر . كشف الظنون 940 وفي دار الكتب المصرية نسختان خطيتان لهذه الرسالة في فهرس التصوف والأخلاق 175 م ، و 178 م .
( 1 ) في ( أ ) : أوتيه .
( 2 ) في ( أ ) : واسطة .