ثم أمر بالتحوّل إلى مصر . وذلك بينما هو نائم ذات ليلة إلّا وقد أمر بالسّفر إلى مصر ، والإقامة بها للتّسليك ، فانتبه ، واستعاذ ، واستغفر ، وتطّهر ، وصلّى ركعتين ثم اضطجع ونام على جنبه الثاني ، فأتاه آت وأمره كذلك ، ففعل كما فعل أولا ، وتكرّر ذلك مرارا . فقال : لزم المسير ، وأخذ دلقه وقصعته ، وخرج من البلد فورا ليلا ، فأسفر الصّبح وهو بشاطئ دجلة فخاض فيها إلى أنصاف ساقيه ، وقال : اللّهمّ ، إن كانت رؤياي حقّا فأرنيه لبنا . وغرف بقصعته فإذا هو لبن ، فأراقه ، ثم قال كذلك ، واغترف ، فإذا هو لبن ثلاث مرّات ، فسار مجدّا في السّير حتى دخل مصر .
وهو أوّل مسلّكي مصر بعد انقطاع السّلسلة منها ، فكثرت بها أتباعه جدا ، واشتهر ذكره ، وبعد صيته ، وكثر معتقدوه .
قال ابن حجر « 1 » : وكان أعجوبة زمانه في التّسليك ، وله أتباع ومريدون كثيرون ، وألبس الخرقة ، ولقّن الذّكر ، وسلّك فأجاد ، وعمّ نفعه البلاد والعباد .
ودخل يوما لزيارة الشّيخ يحيى الصّنافيري فقام إلى لقائه وهو ينشد :
ألم تعلم بأنّي صيرفيّ * أحكّ الأولياء على محكّي
فمنهم بهرج لا خير فيه * ومنهم من أجوّده بسبكي
وأنت الخالص الذّهب المصفّى * بتزكيتي ومثلي من يزكّي « 2 »
فحصل ليوسف بذلك سرور زائد ، وجلس ، فأقبل الشّيخ يحيى على محمد بن الشّيخ يوسف فأنشده :
إنّ السّريّ إذا سرى فبنفسه * وابن السّريّ إذا سرى أسراهما
فازداد سرور الشّيخ يوسف .
وله كلام نفيس في علم التّوحيد ، ورسالته في آداب الطّريق والسّلوك عظيمة النّفع ، وتسمى « ريحان القلوب » « 3 » .
هامش
( 1 ) الدرر الكامنة 4 / 463 .
( 2 ) الأبيات وردت في النجوم الزاهرة برواية مختلفة .
( 3 ) ريحان القلوب في التوصل إلى المحبوب . وقد ذكر فيها شرائط التوبة ، ولبس -