قبيح عندنا ، وإنّما فتحنا الباب لمن أتى ببرّ للفقراء جبرا لخاطره ، ومجابرة لبرّه ؛ لكونه بذل لنا أحسن ما عنده فتنزلنا لعقله ، وإلّا فالفقراء في غنى عمّا أتى به .
وكان يخرج من الخلوة وعينه كجمرة نار ، فقلّ من وقع بصره عليه إلّا انقلب إبريزا خالصا . فوقع بصره يوما على كلب ، فانقاد له جميع الكلاب ، إن وقف وقفوا ، وإن سار ساروا ، فبلغه فأحضره ، وقال : إخسأ ، فتفرّقوا عنه ، وذلك لأنّ عين صاحب الحال إذا وقعت على شيء حال ورود الحال عليه قلبت عينه إكسيرا .
ووقع له مرّة أخرى أنّه وقع بصره على كلب ، فصار النّاس ينذرونه في حوائجهم ، فمرض فاجتمع الكلاب حوله يبكون ويظهرون الحزن ، فمات ، فأكثروا النّباح والعويل ، فدفنه بعض النّاس ، فصارت الكلاب « 1 » تزوره .
وغضب السّلطان على بعض مماليكه ، ففرّوا إلى الشيخ ، فطلبهم السلطان ، وقال : إن كنت فقيرا فلا تدخل في أمر السّلطنة ، فأغلظ على قاصده « 2 » ولم يردّهم ، فنزل إليه ، وقال : أنت تتلف مماليكي . قال : بل أصلحهم . ودعا أحدهم ، فقال له : قل لهذه الأسطوانة : كوني ذهبا . فكانت . فقال : هذا إصلاح أم فساد ؟ فاندهش السّلطان ، وقال له : نقف « 3 » على زاويتك أوقافا .
فامتنع .
وجاء رجل لزيارة قبره ، فأوقف حمارته بباب الزّاوية ، ودخل فزار ، وخرج فلم يجدها ، فعاد إليه ، فقال : جئتك للزّيارة ، فتضيّع عليّ الحمارة ؟ فانشقّ القبره وخرج منه إلى البريّة ، وعاد ومعه الحمارة ، وقال : إذا جئتنا بعد اليوم فقيّد حمارتك ، ولا تتعبنا ، وإلا فلا تأتنا .
مات سنة ثمان وستين وسبع مائة ودفن بزاويته بالقرافة .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : فصارت الناس .
( 2 ) في ( أ ) : فأغلظ على خادمه .
( 3 ) في ( أ ) : أنفق على زاويتك .