وكان من الدّين بمكان الرّأس من الجسد ، ظهر له العلم فشمّر إليه ، ونظر إلى الخيرات ، فأفرغت عليه . إذا ذكر الصّلحاء ذكرهم بتعظيم وتوقير واحترام ، وسوّدهم ، وكثّر كراماتهم ومناقبهم .
وشاهدت بخطّ الوليّ العراقي ، أنّه شاهد بخطّ التّاج السّبكي أنّ بعضهم قال للنّوويّ ، وقد جرى ذكر المقدسيّ وكيل بيت المال وظلمه : يا سيّدي ، يقولون : إنّ المقدسيّ فقيه جيّد . فقال : أما علمت أنّ الفقه مع قليل الدّين كالسّيف مع قاطع الطّريق .
ومن كراماته :
ما حكاه ابن الوردي عن ابن النّقيب أنّه دخل عليه ، فقال له : أهلا بقاضي القضاة ، اجلس يا مدرّس الشّافعيّة . فوليهما بعد ذلك .
ومنها : ما حكاه عن البارزي أنّه رأى النّوويّ في النّوم ، فقال له : ما تختار في صوم الدّهر ؟ قال : فيه اثنا عشر قولا للعلماء . فلمّا انتبه تتبّع ذلك حولا كاملا ، فوجد الأمر كذلك .
وعاد العارف القدوة أبا الحسن المقيم بدمشق ، وكان مريضا بمرض النّقرس « 1 » ، فجلس عنده ، وشرع يتكلّم في الصّبر ، فلمّا تكلّم ذهب الألم قليلا قليلا ، فما قام من عنده حتّى زال الكلّ .
وكان يقول بحرمة النّظر إلى الأمرد ، ولو بلا شهوة . فامتحنه بعض المرد ، وصعد إلى أعلى خلوته ، وأكبّ على رأسه ينظر إليه ، فرفع رأسه ، فبمجرّد وقوع بصره عليه سقط لحم وجه الأمرد .
ومناقبه كثيرة مفردة بعدّة تآليف .
مات سنة ستّ وسبعين وستّ مائة ، ودفن بنوى .
* * *
هامش
( 1 ) النقرس : مرض ووجع في مفاصل الكعبين وأصابع الرجلين . متن اللغة ( نقرس ) .