تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
ولمّا جاور مكّة رأى الحجر الأسود خرج من محلّه ، وله يدان ورجلان ووجه ، فمشى ساعة ، ثمّ عاد لمكانه . ومرّ يوما في الشّارع بدار وإذا بامرأة جميلة تشرف من طاق ، فوقف زمانا ينظر إليها ، ثمّ صاح وإذا بها نزلت ، وأتت بالشّهادتين ، وكانت نصرانيّة . فقال لمن معه : نظرت إلى هذا الجمال الباهر ، فقال : أنقذني من هذا الكفر الظّاهر ، فتوجّهت ، فأسلمت . فالشّيخ ما نظر إلى حسن الصّورة ، بل إلى صورة الحسن في حسن الصّورة . فمن أراد أن ينظر فلينظر هكذا . وحضر جمع كثير مجلسه منهم الوالي « 1 » ، فقرأ القارئ
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ . . .
الآية [ الزمر : 53 ] ، فقال الشّيخ : أنا قلت : إنّ اللّه غفر لكم أجمعين . فقال بعض من حضر في نفسه : والوالي قد غفر له ؟ فالتفتّ إليه وقال : الرّحمة إذا جاءت جاءت كالسّيل ، لا تبقي حجرا ولا مدرا ولا قذرا . وكراماته كثيرة ، وكان لا يجلس إليه أحد إلّا ويفيده فائدة ، أو يذكر هو وإيّاه مجلسا ، ثمّ يقول : من لم يصلح لاستفادة العلوم صلح للذّكر . وكان كيفيّة ذكره : لا إله إلّا اللّه . يمدّها ، ثمّ يقول : اللّه ، اللّه . وحكى عن نفسه : أنّه توجّه ، وسأل في توجّهه أن يرزق علما بغير شيخ ، فنودي : يا ابن عبد الظّاهر ، تريد أن تعطّل سنّتنا في خلقنا ؟ فصار يعفّر وجهه في التّراب ، ويستغفر ويبكي ، حتّى يغمى عليه ، ثمّ يفيق ، ويقول : الإقالة ، الإقالة ، العفو العفو . وكان يحضر السّماع ويقع له فيه أحوال عجيبة مع ملازمة قانون الشّريعة ، والجمع بين العلم والعمل ، وفيه يقول التّاج الدّشناوي يمدحه من قصيدة :
ألا إنّ للّه الكمال « 2 » جميعه * وما لسواه منه حبّة خردل
هامش
( 1 ) هو محمد بن يوسف بن رمضان ابن والي الليل . الطالع السعيد 395 . ( 2 ) في ( أ ) : للّه الجمال .