واصفا ، وعلى بابه عاكفا ، يحوش « 1 » العباد إليه ، ويلحّ في المسألة عليه ، وكان كبير الشّأن ، واعظا ورعا ، اقتحم البراري ، وقطع المفاوز في اللّيل السّاري ، حتّى بلغ ما أراد من الوصول ، واستنفد الحاصل واستغرق المحصول .
ومن كلامه :
سلامة النّفس في مخالفتها ، وبلاؤها في اتّباعها .
وقال : النّاس رجلان : عارف بنفسه فشغله المجاهدة والرّياضة ، وعارف بربّه فشغله الخدمة والعبادة ، طلبا لمرضاته .
وكتب إليه بشر المريسي : ما قولك في القرآن أمخلوق أم لا ؟ فكتب إليه :
أمّا بعد ، عافاني اللّه وإيّاك من كلّ فتنة ، فإن يفعل فأعظم بها من نعمة ، وإلّا فهو الهلكة ، اعلم أنّ الكلام في القرآن بدعة اشترك فيها السّائل والمجيب ، فتعاطى السّائل ما ليس له ، وتكلّف المجيب ما ليس له ، واللّه تعالى الخالق ، وما دون اللّه مخلوق ، والقرآن كلام اللّه ، وانته « 2 » إلى أسمائه التي سمّاه اللّه بها تكن من المهتدين ، ولا تبتدع في القرآن من قبلك أسماء تكن من الضّالين ، وذر
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الأعراف : 180 ] .
وقال : الغالب لهواه أشدّ من الذي يفتح المدينة وحده .
وقال : الدّمعة إذا بقيت في الجفون كان أبقى للحزن في الجوف « 3 » ، ولولا ذلك لاستراحوا إلى إسبال الدّموع .
وقال : قلوب العباد كلّها روحانيّة ، فإذا دخلها الشّكّ أو الخبث امتنع منها روحها .
وقال : الحكمة تنطق في قلوب العارفين بلسان التّصديق ، وفي قلوب
هامش
( 1 ) أي يسوقهم ويجمعهم ، يقال حاش الإبل يحوشها حوشا : جمعها وساقها . وفي ( أ ) :
يجوّش .
( 2 ) في المطبوع : وائته ، وانظر تاريخ بغداد 13 / 75 ، ومختصر تاريخ دمشق 25 / 264 .
( 3 ) في المطبوع : الجفوف ، وانظر حلية الأولياء 9 / 327 .