وكانت قد حفرت قبرها بيدها ، وصارت تنزل فيه وتصلّي ، وقرأت فيه ستّة آلاف ختمة ، فلمّا ماتت اجتمع النّاس من القرى والبلدان ، وأوقدوا الشّموع تلك اللّيلة ، وسمع البكاء من كلّ دار بمصر ، وعظم الأسف عليها ، وصلّى عليها في مشهد حافل لم ير مثله ، بحيث امتلأت الفلوات والقيعان .
ثمّ دفنت في قبرها الذي حفرته في بيتها بدرب السّباع بالمراغة ، محلّ معروف بينه وبين مشهدها الذي يزار الآن مسافة بعيدة ، ثم ظهرت في هذا المكان الذي يزار الآن ؛ لأنّ حكم أرباب البرزخ حكم إنسان تدلّى في تيّار جار فيطفو بعد ذلك في مكان آخر ، فطفت في هذا الموضع الذي هي فيه الآن ، وخاطبت بعض الأولياء منه ، قاله الشّيخ عليّ الخوّاص .
وذكر لي الشّيخ حشيش الحمّصاني : أنّها خاطبته من الأوّل أيضا .
وكان الشّافعيّ يعتقدها ويزورها ، ولمّا مات أمر أمير مصر أن يمرّوا على بيتها ، فمرّوا به عليها حتى صلّت عليه مأمومة في جماعة من النّساء .
قال الذّهبي : وكان والدها من سروات العلويّين وأشرافهم وأجوادهم ، ولي المدينة للمنصور خمس سنين ، ثمّ حبسه حتّى مات المنصور ، فأخرجه المهديّ وأكرمه ، ولم يزل معه حتّى مات في طريق الحجّ .
ولنفيسة كرامات كثيرة :
منها : أنّ النّيل توقّف في أوان الوفاء « 1 » ، فضجّ النّاس ، وأتوها ، فأعطتهم قناعها وقالت : اطرحوه فيه ، ففعلوا فأوفى من ساعته .
ومنها : أنّ أمتها جوهرة خرجت ليلة ذات مطر كثير لتأتيها بماء للوضوء ، فخاضت ماء المطر فلم يبتلّ قدمها .
ومنها : أنّها لمّا قدمت مصر نزلت ببيت يهوديّ له ابنة مقعدة ، فذهبوا إلى الحمّام وتركوها عندها ، فأخذت من فضل وضوئها وجعلته على مكان وجعها ، فقامت تمشي كأنّما نشطت من عقال ، فأسلم أهلها كلّهم .
هامش
( 1 ) وفاء النيل : هو ارتفاع منسوب مياه النيل في شهر آب إلى ستة عشر ذراعا ، وبه يتم الخير ، ويؤمن الجدب . انظر صبح الأعشى 8 / 328 ، و « لأجل النيل » صفحة : 12 .