تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 653

مساهمون:

ص٦٥٣
ولمّا تكلّم في علوم الحقائق لم يفهم أهل عصره كلامه ، فرموه بالعظائم ، ونفوه من بلدهم سبع مرّات ، وهم في كلّ مرّة يختلّ أمرهم ، وينزل بهم البلاء ، حتّى أذعنوا له ، وأجمعوا على تعظيمه . وكان إذا ذكر اللّه يبول الدّم . وصلّى الجمعة ، فسمع الخطيب يقرأ :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
[ مريم : 85 ] ففرح ، فطار الدّم من عينيه حتّى ضرب المنبر ، وقال : يا عجبا ، كيف يحشر إليه من هو جليسه ؟ فإنّ اللّه يقول : أنا جليس من ذكرني « 1 » ، والمتّقي ذاكر اللّه ذكر حذر ، فلمّا حشر إلى الرّحمن ، وهو مقام الأمان ممّا كان فيه من الحذر ، فرح بذلك ، قال ابن عربي : فكان دمع أبي يزيد دمع فرح لا دمع ترح ، كيف حشر منه إليه ، حتّى حشر غيره إلى الحجاب ؟ . قال : وكان يحتجّ على مواجيده بالقرآن وما تقدّم « 2 » له به حفظ ، ومن لم يعط ذلك لم يحكم عليه بقبول ولا ردّ ، كأهل الكتاب إذا أخبرونا عن كتابهم بأمر لا نصدّق ولا نكذّب ، هكذا أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 3 » ، فنتركه موقوفا . قال - أعني ابن عربي - : قال بعض المحجوبين لأبي يزيد : شربت شربة فلم أظمأ بعدها أبدا . فقال أبو يزيد : الرّجل من يشرب البحار ، ولسانه خارج على صدره من العطش ، فأشار إلى أنّ الحبّ شرب بلا ريّ . قال ابن عربي : جرّبت المخبرين عن اللّه إذا ضربوا الأمثال لأمر ما ؛ فإنّه لا بدّ من وقوع ذلك المضروب به المثل ، كان أبو يزيد البسطامي يشير عن نفسه أنّه قطب الوقت ، فقيل له يوما عن بعض الرّجال : إنّه يقال فيه إنّه قطب الوقت .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه ، انظر صفحة : 437 . ( 2 ) في ( أ ) : سبق . ( 3 ) أخرجه البخاري عن أبي هريرة معلقا 5 / 291 في الشهادات ، باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها ، وأحمد في مسنده 4 / 136 عن أبي نملة الأنصاري . قال أبو هريرة : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تصدقوا أهل الكتاب بما يحدثونكم عن الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا باللّه وما أنزل إلينا ، لأن اللّه تعالى أخبر أنهم كتبوا بأيديهم ، وقالوا : هذا من عند اللّه » .