قال ابن عربي : وكان حاله التّجريد ، وعدم الادّخار ، فقال يوما لأصحابه :
فقدت قلبي ، فاطلبوا البيت . فوجدوا فيه معلاق عنب ، فقال : رجع بيتنا بيت البقّالين ، فتصدّقوا به ، فوجد قلبه .
وذكر - أعني ابن العربي - أنّه كان القطب الغوث في زمانه ، حيث قال : من الأقطاب من يكون ظاهر الحكم ، ويحوز الخلافة الظّاهرة ، كما حاز الباطنة من جهة المقام : كأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وابن عبد العزيز ، ومنهم من له الخلافة الباطنة خاصّة ، ولا حكم له في الظّاهرة ، كأبي يزيد . انتهى .
وقال في موضع آخر : أبو يزيد كان على قلب إسرافيل ، له الأمر ونقيضه ، جامع للطرفين ، وهذا المنصب لا يكون في الزّمان إلّا لواحد فقط . انتهى .
قال الذّهبي « 1 » : نقلوا عنه أشياء كبيرة الشّأن في صحّتها منها : سبحاني ، وما في الجبّة إلّا اللّه « 2 » . ما النار ؟ لأستند إليها ، وأقول : اجعلني لأهلها فداء ، وإلّا بلغتها « 3 » . ما الجنّة إلّا لعبة الصّبيان ؟ هب لي هؤلاء اليهود ، وما هؤلاء حتى تعذّبهم ؟ ومن النّاس من يصحّح هذا عنه ، ويقول : قاله حال سكره .
انتهى .
قال ابن حجر بعد حكايته ذلك عنه : قلت : أبو يزيد يسلم له حاله ، واللّه متولّي السّرائر . انتهى .
هامش
( 1 ) سير أعلام النبلاء 13 / 88 ، وميزان الاعتدال 2 / 346 .
( 2 ) جاء في دائرة المعارف الإسلامية 2 / 331 ( بايزيد ) في معرض الحديث عن عبارات أبي يزيد المشكلة : ونستدل من كلماته هذه على أنه كان يقول بوحدة الوجود ، وأنه ربما كان أول من قال بمذهب الفناء . ا ه .
والفناء : عدم شعور الشخص بنفسه أو بشيء من لوازم نفسه ، وعلامته ذهاب حظ المرء من الدنيا والآخرة إلا من اللّه تعالى ، والبقاء الذي يعقبه هو أن يفنى بما له ويبقى بما للّه تعالى ، وآخر الفناء ألا ترى شيئا إلا اللّه ، وأن تكون ناسيا لنفسك ولكل الأشياء سوى اللّه ، فإذا قال الصوفي : ليس في الوجود إلا اللّه ، عبّر بذلك عن فناء ذاته في الذات الإلهية . ا ه المعجم الفلسفي 2 / 167 ( الفناء ) .
( 3 ) في الأصل : ولأبلغنّها ، وفي ميزان الاعتدال : أو لابلغنّها ، والمثبت من السير .