وقال ابن المنير « 1 » : واصطلاح أهل الطّريق معروف في التّجلّي ، وحاصله رتبة من المعرفة جليّة ، وحالة بين اليقظة والنّوم سويّة « 2 » ، والإيمان يزيد وينقص ، ولا تظنّهم يعنون بالتجلّي رؤية البصر التي قيل فيها لموسى على خصوصيّته :
لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : 143 ] والتي قيل فيها على العموم :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] فإذا فهمت أنّ مرادهم الذي أثبتوه غير المعنى الذي حصل النّاس منه على اليأس « 3 » في الدنيا ، ووعد به الخواصّ في الآخرة ، فلا ضير عليك ولا طريق لسوء « 4 » الظّنّ إليك ، واللّه يتولّى السّرائر .
قال السّبكيّ « 5 » : وكلامه - أعني ابن المنير - في تفسير التجلّي يقرب من قول شيخه ابن عبد السّلام في « قواعده » : التجلّي والمشاهدة عبارة عن العلم والعرفان ، واعلم أنّ القوم لا يقتصرون في تفسير التجلّي على العلم ، ولا يعنون به [ إيّاه ] ، ثم لا يفصحون بما يعنون ، بل يلوّحون تلويحا ، [ ثمّ يصرّحون بالبراءة مما يوجب سوء الظّنّ تصريحا ] « 6 » ، ولم يفصح القشيري في « رسالته » « 7 » بتفسيره ، ولعلّه خاف على فهم من ليس من أهل الطّريق .
وحاصل ما قاله متأخّروهم أنّ التجلّي ضربان :
ضرب للعوامّ : وهو أن يكشف صورة ، كما جاء جبريل في صورة دحية « 8 » ،
هامش
( 1 ) وهو القاضي ناصر الدين بن المنير المالكي في كتابه « المقتفى » . انظر طبقات السبكي 2 / 311 .
( 2 ) كذا في الأصول ، وفي طبقات السبكي 2 / 311 : سريّة سنية .
( 3 ) في طبقات السبكي 2 / 311 : على الناس في الدنيا .
( 4 ) المثبت في متن طبقات السبكي 2 / 311 : لسبق الظن .
( 5 ) طبقاته : 2 / 312 .
( 6 ) ما بين معقوفين مستدرك من طبقات السبكي 2 / 312 .
( 7 ) في باب الستر والتجلي 1 / 243 ، وباب المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة 1 / 245 .
( 8 ) أخرج أحمد في « مسنده » 2 / 107 عن ابن عمر قال : وكان جبريل عليه السلام يأتي النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة دحية . قال الشيخ شعيب حفظه اللّه في سير أعلام النبلاء 2 / 553 عن سند الحديث : وهذا سند صحيح .
وكان دحية بن خليفة الكلبي جميلا .