وقال : ركبت البحر ، وفي المركب يهوديّ لم أره يأكل ولا يتحرّك من مكانه ، ولا يتطهّر ، ولا يشتغل بشيء ، وهو ملتفّ بعباءة ، فكلّمته فوجدته متجرّدا متوكّلا ، يتكلّم فيه بأحسن كلام ، ويأتي بأكمل بيان ، فأنس بي ، وقال :
يا أبا إسحاق ، إن كنت صادقا في دعواك التّوكّل فالبحر بيننا حتى نعبر السّاحل ، وكنّا في اللّجّ ، فقلت : قم . فزجّ نفسه في البحر ، ورميت بنفسي خلفه ، فعبرنا السّاحل ، فقال : نصطحب ، على شرط أن لا نأوي المساجد ولا البيع ، ولا الكنائس ، فقلت : لك ذلك ، فأتينا مدينة ، فأقمنا على مزبلة ثلاثة أيّام ، ففي الثّالث أتاه كلب وفي فمه رغيفان ، فطرحهما له وانصرف ، فأكل ، ثم أتاني شابّ حسن الوجه ، ظريف طيّب الرّيح بطعام نظيف ، فوضعه ، وقال : كل .
وغاب عنّا ، فأسلم اليهوديّ ، وقال : يا إبراهيم ، طريقنا صحيح ، لكنّ الذي لكم أحسن وأصلح ، وحسن إسلامه ، وصار من أصحابنا المتّصفين بالتّصوف .
كذا ذكر هذه الحكاية عنه جماعة .
وقوله : ( طريقنا صحيح ) غير صحيح « 1 » .
ونظير هذه الحكاية ما ذكره الشّيخ ابن حجر الهيتمي رحمه اللّه : أنّ الكفر قد يصحبه نور باطني ، ينشأ عن الرّياضة والاجتهاد في السّلوك ، قال : ألا ترى أن يهوديا قدم مصر ، فكان لانكشاف الكون له يتحدّث بالمغيّبات ، حتى كاد أن يفتن أهلها ، فتلطّف به بعضهم ، حتى قال له : ما سبب ذلك ؟ قال : سببه أني لازمت الرّياضة التّامّة ، وخالفت نفسي في كلّ شيء حدّثتني به ، فآل أمري إلى ما ترى . قال له : اعرض عليها الإسلام . قال : قد أبت . قال خالفها ، فتأمّل ساعة ، ثم أسلم ، فهذا بتمام الرّياضة ، ومخالفة النّفس تنوّر باطنه حتى صار إذا وجّه همّته إلى شيء لم يحجب « 2 » عنه .
ولنرجع إلى كلام الخوّاص رضي اللّه عنه :
وقال : إنّ لإبليس وثاقين ما أوثق بني آدم بأوثق منهما : خوف الفقر ، والطمع .
هامش
( 1 ) في الحلية 10 / 330 : أصلنا صحيح .
( 2 ) في ( أ ) : ترجع .