تحسّين بالألم ؟ فقالت : شغلي بموافقة مراده فيما جرى شغلني عن الإحساس بما ترون .
وسمعت قارئا يقرأ :
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ
[ يس : 55 ] فقالت : مساكين أهل الجنّة في شغل هم وأزواجهم .
وعاب عليها العارف باللّه ابن عربي رضي اللّه عنه هذه المقالة وقال : إنّها ما عرفت ، وإنّها المسكينة ، فإنّ شغلهم إنّما هو باللّه .
قال : وهذا من مكر اللّه الخفيّ بالعارفين في تجريح الغير ببادئ الرّأي ، والتعريض في حقّ نفوسهم بأنّهم منزّهون عن ذلك .
لكنّه مع ذلك بالغ في موضع آخر في مدحها ، وقال : إنّها في رتبة الشّيخ عبد القادر الجيلاني رضي اللّه عنه ، فقال : السّائرون إلى اللّه بعزائم الأمور المشروعة على قسمين : طائفة ربطت همّتها على أنّ الرّسول إنّما جاء منبّها ومعلّما بالطّرق الموصلة إلى جناب الحقّ ، فإذا أعطى العلم بذلك زال من الطريق ، وخلّى بينهم وبين اللّه ، فهؤلاء إذا سارعوا أو سابقوا إلى الخيرات لم يروا أمامهم قدم « 1 » أحد من المخلوقين ؛ لأنّهم قد أزالوه من نفوسهم وانفردوا إلى الحق تعالى ، والطائفة الأخرى جعلوا في نفوسهم أنهم لا سبيل لهم إليه تعالى إلّا والرّسول هو الحاجب . فلا يشهدون أمرا إلّا رأوا قدم الرّسول بين أيديهم . هكذا قال ، ثم قال : والحالة الأولى هي حالة العارف عبد القادر الجيلاني رضي اللّه عنه والعارف أبي السّعود بن شبل ، ورابعة العدوية ، ومن جرى مجراهم . انتهى .
قال بعضهم : كنت أدعو لرابعة العدوية رضي اللّه عنها ، فرأيتها في النّوم تقول : هداياك تأتينا على أطباق من نور ، مخمّرة بمناديل من نور .
هامش
( 1 ) استعمل ابن عربي عبارة « على قدم » و « قدم » للإشارة إلى القدمية ، وهي اقتفاء الأثر للتحقق بمماثلة صفاتية ، مثلا يقول : فلان على قدم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا يعني أن المذكور هو « محمدي » أي أنه سار على أثر أقدام محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في الطريق إلى الحق . المعجم الصوفي ( 901 ) قدم .