وأخذ سفيان رضي اللّه عنه بيد بعض إخوانه وقال : نذهب إلى المؤدّبة التي لا أحد أستريح إليه إذا فارقتها ، فلمّا دخل عليها ، رفع سفيان رضي اللّه عنه يديه وقال : اللّهمّ ، إنّي أسألك السّلامة « 1 » . فبكت ، فقال : ما يبكيك ؟ فقالت :
عرّضتني للبكاء ، أما علمت أنّ السّلامة من الدّنيا ترك ما فيها ، فكيف وأنت فيها متلطّخ بها ؟
وقالت له : إنّما أنت أيّام معدودة ، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك ، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكلّ ، وأنت تعلم فاعمل .
وقيل لها : ما حقيقة إيمانك ؟ قالت : ما عبدته خوفا من ناره ، ولا طمعا « 2 » لجنته ، فأكون كالأجير السّوء ، عبدته حبّا له ، وشوقا إليه .
وقال مالك بن دينار : أتيتها فإذا هي تقول : كم من شهوة ذهبت لذّتها وبقيت تبعتها ! يا ربّ ، أما كان لك عقوبة ولا أدب غير النّار ؟
ومن مناجاتها : إلهي ، تحرق بالنّار قلبا يحبّك ؟ فقيل لها : لا تظنّي بنا ظنّ السّوء .
وكانت رضي اللّه عنها تنشد :
إنّي جعلتك في الفؤاد محدّثي * وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم منّي للجليس مؤانس * وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
وكانت كلّ ليلة تتطيّب وتأتي زوجها وتقول : ألك حاجة ؟ فإن كانت له قضى وطره ، وتطهّرت ، ونصبت أقدامها إلى الصّباح .
وكان كفنها لم يزل عندها ، ويجدون محلّ سجودها كالماء المستنقع من كثرة البكاء .
وقال لها رجل : إنّي أكثرت من المعاصي ، فلو تبت ، هل يتوب عليّ ؟
قالت : لا ، بل لو تاب هو عليك لتبت :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
[ التوبة : 118 ] .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : السلامة من الدنيا .
( 2 ) في ( أ ) و ( ب ) : حبا .