فكان يصلني بالزيارة على الدوام . ولم تكن مصاحبته في الأكثر إلّا غيبة الأنام . وكان المفتي في طرابلس حينئذ مصطفى العكاري ، فكان يحطّ عليه ويجاهر بالمخاصمة ولا يداري . وصدرت بينهما مخاصمة ، أدّت إلى المكالمة ، وكادت تصير إلى الملاكمة . وقد شرحت ما دار بينهما من الخطاب في هذا الكتاب . فانظره فإنه من العجب العجاب .
قال لي في طرابلس : كان القاضي عبد اللطيف ابن القاضي محب الدين الحموي نزيل دمشق قاضيا في حماة ، وكان أميرها الأمير حسن بن الأعوج .
فتظاهرا ، وتناصرا ، وتعاضدا وتساعدا . ووافق ذلك جفوة من القاضي المذكور الشيخ عبد النافع ، فكتب إلى الأمير حسن هذين البيتين مشيرا إلى مظاهرة القاضي ، وصدور الحال بينهما على التراضي :
تخذت وليّا جاهلا ذا مذلّة * وقد كنت لا ترضى وليّا من الذلّ
ومن يتّخذ نسج العناكب درعه * فسهم معاديه غني عن النصل
قال : وقعت بيني وبين عبد اللطيف المذكور محاورة ، أدّت إلى مكابرة ؛ في أثناء مكاثرة . فكان من قول عبد اللطيف له : وأنت أيشك ؟ يريد شتمه بالتركية . مخلوطة بالعربية . يعني أنت أيّ أشك وأشك بلغة التركية الحمار . وقصد عبد اللطيف بذلك أن يظهر أنه قاض من جهة سلطان الروم فيريد أن يتكلم بلغتهم .
وقد نقلت مقالته مفصّلة في الرحلة التي سميتها « المنازل الأنسية ، في الرحلة الطرابلسية » ( 187 جهنىّ ) وقد مدحني عند لقائه لي في طرابلس بهذين البيتين :