عن الناس انقطاعا كاملا ، وهجر الخلائق هجرا شاملا ، اللهم إلّا رجلا يأنس به في حال انفراده ، ويبث له من أوجاع الدهر ما في فؤاده . دخلت عليه مرة وهو من الدهر يتوجع ، وكبده من الحزن كادت تنقطع . وهو ينشد بصوت حزين ، قد مزجه بالوجد والأنين ، هذه الأبيات :
يا واحدا ما كان لي غيره * بعدك وا قلّة أنصاري
يا مشتكى حزني ويا منتهى * سؤلي ويا حافظ أسراري
الدار من بعدك قد أصبحت * في وحشة يا مؤنس الدار
جارك قلبي كيف أوحشته * واللّه أوصى الجار بالجار
وكان رحمه اللّه تعالى عارفا بالنعمة وباصطلاح الموسيقى ، حتى أنه كان يخلو بنفسه ويدفع عنه الوحشة بصوته الحسن .
وكان قد قرأ على عدة مشايخ منهم الشيخ الصالح ، الوليّ الفالح ، الشيخ أبو الفتح الشبستري الذي كان قاطنا بالخانقاه الشميصاتية . جوار جامع بني أمية ، ومنهم الشيخ المحقق الشيخ أحمد القزويني الشهير بالسعيدي الذي كان قاطنا بدمشق بمحلة القيمرية ومنهم المولى العلامة الشيخ علاء الدين بن عماد الدين الشافعي ، وغيرهم من علماء عصره .
وتخرج به جماعة منهم ولداه المذكوران .
ولمّا مات دفن بجوار تربة القطب الرباني سيدي الشيخ أرسلان خفير دمشق ، في التربة التي كان والده قاضي القضاة ولي الدين ابتدأ عمارتها هناك ، وهي موجودة إلى الآن وكانت وفاته في سنة احدى وتسعين وتسع مائة وكنت نظمت قصيدة تعرضت فيها للقاضي عبد الرحمن المذكور بعد أن ذكرت شيخنا العماد المذكور في حرف العين . رحمهم اللّه تعالى أجمعين .