ولم يزل السيف ظاهرا بين الفريقين إلى أن حال بينهم الليل ، وتراجع كلّ فريق إلى مكانه ، إلى أن أصبح الصباح ( 172 ب ) فعادوا إلى الكفاح .
ومالوا إلى الصياح . ولم يزل السيف في الهامات واقعا إلى أن ولى عسكر البغي منهزما . وطاحت الهامات في الثرى ، وكحل الغبار جفون الأعادي فهي لا ترى
ولقد أخبرني من شاهد الواقعة أن عسكر البغاة كان قاهرا . وما كان مكسورا بل كان كاسرا . لكن استولت عليه الصدمات الربانية . والقواهر الإلهية فصار مغلوبا ، وأصبح مسلوبا . وقطعت منهم الرؤوس ، وضاعت منهم النفوس . واستمرّ جيش السلطان لهم تابعا . ودارت عليهم الدوائر وصار حكم اللّه لهم قامعا .
والحاصل أن قره سعيد ، لا أسعده اللّه تعالى ، هرب مع محمد الشهير بابن قلندر إلى أن دخل ملك شاه العجم وهو عباس بن خدايبنده محمد وكذلك الباغي الطاغي أخو الطويل محمد . فإن عسكر السلطان أحمد نصره اللّه تعالى وبلغه الأماني ، لا زال يطردهم إلى أن أخرجهم من الملك العثماني .
وأدخلهم في ملك شاه قزلباش . وما ندري ما ذا يفعل بهم بعد ذلك .
وقد أخبرني من أثق به من عسكر السلطان أنه قتل من الجلالية الباغين الطاغين ما يزيد على خمسين ألفا ولم يقتل من عسكر السلطان على كثرتهم خمس مائة رجل أو أقل من ذلك .
وقد أمر الوزير الأعظم مراد باشا ، نصره اللّه تعالى ، العسكر الرومي بأن يشتي في نواحي بلاد الشرق من أرض الروم ، ونواحي وان ، وجزيرة ابن عمر ، وأطراف أرض الكرج ، طلبا لاستفتاح باب الحرب مع شاه عباس في أوائل سنة ثمان عشرة بعد الألف من الهجرة النبوية لما صدر من الكسر على عسكر السلطان أحمد لمّا كان قائد العسكر سنان باشا
تراجم الأعيان من أبناء الزمان — صفحة 294
مساهمون: بدر الدين الحسن بن محمد البوريني
ص٢٩٤