فاقتتلوا يومين وفي أثناء ذلك أرسل العسكر المذكور إلى الوزير بأن أمر العصاة هيّن ، وإن قدمت علينا بمن معك أخذناهم في أول وقوفهم ، وخرقنا بحمد اللّه جنة صفوفهم . فسار الوزير إليهم فلما أحسوا بقدومه ثاروا إليه ، وعزم الشقيّ سعيد مع جماعة من شجعان العصاة نحو سبعين رجلا على أن يهجموا على الوزير في موقفه هجمة واحدة كما قال شاعر كندة أبو الطيب المتنبي :
ضربت بها التيه ضرب القا * ر إمّا لهذا وإما لذا
فصدّهم عن القصد المذكور عسكر الروم . ومنعوا الملعون عما يروم .
واحتاطوا بالوزير كالسوار أو السور وقالوا له : أثبت فإنّك منصور .
وصاحت البنادق ، وازرقت السهام الرواشق ، وتداخلت الصفوف ، وتميز الخالص من الزيوف ونادى منادي الايمان ، الزحف الزحف على أهل الطغيان ، وخفتت أصوات الرجال ، ولم يبق إلا ضرب السيوف ورشق النبال . حتى مالت الشمس قبل الاصفرار ، وأدبرت صفوف البغاة للفرار ، ونادى منادي الحق ان اطلبوا ، فإن البغاة قد هربوا .
فلما شاهد المسلمون إدبار أهل الإدبار . وفرار أصحاب البوار .
تبعوهم والسيف في ظهورهم . وتحققوا أنه يوم اخفائهم بعد ظهورهم . وقالوا لهم : لا خلاص ، ولات حين مناص من يدعي الشجاعة كيف يرضى بالهرب ؟ ومن يقول أنا الرأس والرئيس كيف يرجع إلى الذنب ؟ أم كيف يوصف بالرهب ؟ فما أجابوا إلا بأصوات قبيحة ( 172 جهنىّ ) تدعو إلى الإحداث والفضيحة . خرجت من أدبارهم ودلت على إدبارهم . وعلم المؤمنون أن الحسود لا يسود . وأن وجهه ليس بأبيض حيث كان من القوم السود واسمتر السيف فيهم ، من قوادمهم إلى خوافيهم . حتى لم تبق منهم بقية .
ولم يترك في نفوسهم حميّة ، وأحصي من قتل منهم في ساحة القتال