يفصل بين الفريقين . ففي صبيحة يوم الأحد وقف العسكر الشامي في مقابلة عسكر ابن جانبلاذ الباغي ، واقتتلا فما مرّ مقدار جلسة خطيب إلا وقد انفلّ العسكر الدمشقي ، حتى قال ابن جانبلاذ : العسكر الشامي ما قاتلنا وإنما قابلنا للسلام علينا وانصرف .
فلما هرب عسكر دمشق رجع بعضهم إلى دمشق ذاهبا إلى قلعة المزيريب ، فخزاهم اللّه وسوّد وجوههم ، فإنّ النساء أحصن حالا منهم بكثير ، لأن النساء أقمن في دمشق وغلّقن أبوابهن ، وربما ضربت المرأة بعض من ورد عليهن من السكبانية .
وأما هؤلاء فإنهم كانوا يظهرون الشدّة والقساوة والقدرة على الضعفاء في الأسواق وفي أزقة المدينة . ولما قابلهم من قاتلهم لم يقفوا بمقدار صلاة ركعتين ، وتعالى اللّه تعالى أن يضيع حقّ أحد ، تعالى عن ذلك وتقدّس والعجب أنهم كانوا جالسين في مقابلة العدو وكانوا في كل يوم ينقلون تبن الفلّاحين وشعيرهم ومؤنتهم من بيوتهم ، مثل الكشك والبرغل والطحين .
هؤلاء الفلاحون هم رعاياهم ، وتجب عليهم حمايتهم . واللّه إنّ الفلاحين ما وجدوا من الأعداء عشر ما وجدوا من هؤلاء الأحداث . عليهم غضب اللّه تتبعه اللعنة إلى يوم القيامة .
أخبرني رجل منهم صادق القول وهو من أصحابنا قال : كنا في قلعة المزيريب نحو خمس مائة رجل . وإذا بفارس يسوق فرسه طلق العنان ، وهو يقصد جانبنا . فلما رأيناه بادرنا إلى خيولنا هربا . فمنا من ركب فرسه عريّا بغير سرج ولا لجام ، ومنهم من ركب فرسه وتوجّه بوجهه إلى جانب ذنبها يظنّ أن ذنبها رأسها من شدة ما حصل له من الجزع ، ومنهم من ركب فرسه وهي مقيّدة في قيد من الحديد ، وكان كلّما ضربها لتعدو به حرّكت ذنبها وهي واقفة . فلما تكرر ذلك منه ومنها سأل
تراجم الأعيان من أبناء الزمان — صفحة 276
مساهمون: بدر الدين الحسن بن محمد البوريني
ص٢٧٦