من تدوينها فإن كان عندهم ذلك فمخالفته نقص وإن لم يكن فكفاهم نقصا أنهم غير حكماء .
فقل له أليس الذي أطلع شمس الظهيرة ونشر فاضح شعاعها صحوا مع إضرارها بالأبصار الضعيفة وسائر الأمزجة التي تتضرر بها عليما حكيما فإن قال بلى ولكن عارض ذلك مصالح تربو على هذه المفاسد فقل له وهكذا الجواب عن مسألتك وحسبك جوابا أن من دون ذلك لم يدونه للجمهور ولا أذن في ذلك ولا سكت عنه بل نهى عن إظهاره لهم وشدد في النهي والتحذير إلى الغاية وصرح بأنه لم يدون إلا بإذن من اللّه في تدوينه لأهله فقط فيكون في التدوين أمانة لهم ليظفروا من معاينة بما تنفتح به أبواب كمالاتهم الباعثة بسحائب الرحمة في قلوبهم وعلى ألسنتهم فتشرق الأرض بنور رشدهم وتحيا بأثر هدايتهم فتعدي أهل الغفلة والحجاب حدود هؤلاء السادات وأظهروا دواوينهم لغير أهلها كما تعدى الغافلون حدود ربهم فسافروا إلى أرض العدو ومكنوا أعداء اللّه من قراءته بقلوب زائغة وألسن معوجة فحرفوه واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهل دون الأئمة المجتهدون ما دوناه عنهم من العلم ليستعان بها على هوى النفس وكسب الدنيا وتوليد مسائل موافقة لهوى الظلمة والأمراء لا واللّه ولكن كان أمر اللّه قدرا مقدورا .
وحيث ظهر أن فائدة تدوين هذه المعارف من أعظم الفوائد ظهر أن تدوينها من أحق الحقوق إذ فائدتها بقاء روح حق اليقين وإشراقها في مظاهر الهادين بالحق كما في فائدة تدوين علم الظاهر بقاء روح الاجتهاد الظني الموجب للعمل وظهوره في مظاهر المرشدين
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
« 1 » فافهم .
وكان رضي اللّه عنه يقول : في حديث : « القلب بيت الرب » وفي قوله تعالى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً
« 2 » فاعرف بيت الرب من بيت الناس وتوجه إلى كل منهما بشرطه وقم له بحقه واستقبله وقم وطف حوله وادخله بما يناسبه منك فالجسم والقلب بالقلب والروح بالروح ولكل مجال رجال فافهم .
وكان يقول : في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
« 3 » النزل : إكرام الضيف أول ما يكرم فإذا كان الفردوس أول
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 220 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 96 .
( 3 ) سورة الكهف : الآية 107 .