وكان رضي اللّه عنه يقول : الضمير في قول اللّه تعالى :
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ
« 1 » عائد على الرزق أي لو بسط الرزق لعباد الرزق لبغوا وهم الذين ليس لهم مكنة التصرف كالحكيم الرباني فتصرفاتهم مغلوبة بالشهوات والحظوظ فأرباب المكنة عباد اللّه الرزاق لا عبيد الرزق فافهم الفرق بين عباد الأرزاق وعباد الرزاق هؤلاء الأرزاق محتاجة إليهم في كونها وعبادها محتاجون إلى عينها بل إلى أثر كونها .
وكان يقول : في معنى قوله في الحديث " فبى عرفوني " أي لأنى وجودهم ووجود عقولهم ووجود شواهد شهودها .
وكان رضي اللّه عنه يقول : قال لي قائل ما بال الشاذلية يتجملون في لباسهم وهيئاتهم وطريقهم إنما هي الاقتداء بالسلف الصالح والسلف الصالح كما في علمهم ما كانوا إلا على التقشف بأكل الخشن وبذاذة الهيئة ورثاثة الملبس ؟
فقلت وباللّه التوفيق إن الشاذلية لما نظروا إلى المعاني والحكم رأوا السلف الصالح إنما فعلوا لك حين وجدوا أهل الغفلة انهمكوا على دنياهم واشتغلوا بتحصيل الزينة الظاهرة تفاخرا بالدنيا واطمئنانا إليها وإشعارا بأنهم من أهلها فخالفوهم بإظهار حقارة الدنيا التي عظمها أهل الغفلة وأظهروا الغنى باللّه عما اطمأن إليه الغافلون فكانت أطمارهم حينئذ تقول الحمد للّه الذي أغنانا به عما افتقرت أنفسنا إليه من همته دنياه .
فلما طال الأمد وقست القلوب بنسيان ذلك المعنى واتخذ الغافلون رثاثة الأطمار وبذاذة الهيئة حيلة على تحصيل دنياهم انعكس الأمر فصار مخالفة هؤلاء نعمة للّه هو فعل السلف وطريقته .
وقد أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه يقول لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة : يا هذا هيئتى هذه تقول الحمد للّه وهذه هيئتك تقول أعطونى شيئا من دنياكم .
والقوم أفعالهم دائرة مع الحكم الربانية مرادهم مرضاة ربهم وإرادتهم وجه ذي الجلال والإكرام في كل حال
يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ
« 2 » فإن استمت بسيماهم وهو التروض والتضيق عرفتهم وظهرت لك مقاصدهم التي بها ترى حسن أفعالهم فافهم .
هامش
( 1 ) سورة الشورى : آية 27 .
( 2 ) سورة الأعراف : آية 48 .