مهما لقطه هذا الطائر من ساحات الحس والخيال والإدراك والقلب والفؤاد تحصل في حوصلته ثم سرى إلى سائر آلاته ثم رشح منها بالعبارة والكناية والإشارة فإذا رجعت التراكيب الدنيوية إلى بسائطها الأخروية صارت الحوصلة كتابا منشورا يرى فيه كل طائر ما لقط فرحم اللّه من تكلم بخير أو سكت .
وكان رضي اللّه عنه يقول : فضل العقول في ترك الفضول وهي كل ما فضل عن الكناية وهي محسوس ومعقول وكل مقصود غير ضروري فهو من الفضول وكل وسيلة لا يحصل مقصودها الضروري بدونها فليس من الفضول في شيء ويكفيك من الغذاء ما يقويك على ما أمرك اللّه به .
وكان رضي اللّه عنه يقول : يكفيك من الملبس ما لا يسفهك به العاقل ولا يزدريك به الجاهل ومن المركب ما حمل رحلك وأراح رجلك ولا يزدرى بركوبه مثلك ومن السكن ما وراك عمن لا تريد أن يراك ومن الحلائل الودود الولود ومن الخدم الأمين المطيع ومن الأصحاب من يعينك على كمالك في جميع أحوالك .
ومن الأدب ما يقيك غضب الكريم والعالم وجراءة اللئيم والظالم ومن العلم ما طابق الذوق الصحيح ومن الاعتقاد ما بعثك على طاعة المعتقد من غير إعراض ومن معرفة الحق ما أسقط اختيارك لغيره ومن معرفة الباطل ما يمنعك عن اختياره ومن المحبة ما حققك بإيثار محبوبك على من سواه ومن حسن الظن بالخلق ما لا يقبل منه سوء التأويل ولا قول العائب بغير ذليل ومن الحذر ما يمنع من مراكنة تجر إلى مباينة ومن الظن باللّه ما لا يجرى على معصيته ولا يؤيس من رحمته ومن اليقين ما يعصم من صرف وجه الطلب عن حيرة .
ومن التوحيد ما لا يبقى معه أثر لغيره ومن الفكر ما وصل إلى فهم مراده ومن النظر في آلائه ما تتسع به روح وداده ومن الخواطر ما بعث على تعظيم ما عظم وهضم ما هضم وقد وضحت لك الأنوار فإن شئت فاقتبس وقد ثبتت الأصول فافهم الجامع وأنف المانع ثم قس .
وكان رضي اللّه عنه يقول : التلويح لأعين الأذهان أبلغ من التصريح لوعى الآذان ومن قبل النصيحة أمن من الفضيحة .
وكان رضي اللّه عنه يقول : محل الشعر ظاهر الشخص لا باطنه ولو ثبت في القلب شعره واحدة لمات صاحبه لوقته فلا تشغل باطنك بشيء من ملاذك الدنيوية الجسمانية
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 70
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٧٠