تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وفرغ قلبك من الشواغل الفانية التي بمنزلة الشعر فالقلب بيت الواحد الذي من أشرك معه شيئا تركه وشريكه ومن وحده بالمحبة سكن قلبه بنور رب لا شريك له في ملكه . فافهم كيف يدخل عبيد اللّه الجنة جردا مردا مكحلين متعاضدين على قلب واحد فاشهد الواحد إن كنت ذا بصيرة مكحولة بطلعته المنيرة واغتنم هذه الذخيرة . وكان رضي اللّه عنه يقول : من ظفر بكنز جوهر الألباب مرفوع الموانع مفتوح الأبواب زهدت واللّه نفسه في افتراش الزبالة وسف التراب وليست الزينة الدنيوية إلا ترابا آئلا إلى الذهاب خلقت بمحنة يمتحن بها الصادق في حب اللّه من الكذاب فمن أحب اللّه تعالى لم تسا والدنيا عنده رجل ذبابة من الذباب بل صغرت عنده الأكوان كلها في جانب ذلك الجناب . ومن أحب صورة عبد فها فمحب اللّه مخدوم لسائر الأحباب لا عبد شيء من هذه الأسباب ومن أحب صورة التلبس بها فلمحب اللّه تخضع الرقاب فكيف يخضع لزينة ترابية من له هذا العز المهاب من كرم العلى الأعلى الوهاب
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
« 1 » ، الصعيد هو التراب والجرز القاطع لما تعلق به تعلق واطمئنان وإكباب فكن من الزاهدين في الحظوظ الترابية الجروز فأنت عرفت أنك ظفرت بكنز الكنوز . وكان رضي اللّه عنه يقول : مخالطة أهل الحجاب ورؤية الغافلين عن ذكر اللّه تعالى عقوبة إلا على الأئمة الذين هم أطباء القلوب القائمون في مخالطة ترضى النفوس لطبهم بروح أمر مولاهم و
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
« 2 »
يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 3 » فافهم . وكان رضي اللّه عنه يقول : النفس مطية المؤمن اسمع لا تسمح لنفسك في الشراسة ولا تعودها بالنفار فتتعب بها عند رجوعك إلى الديار وتندم على تفريطك فيها حين سلوكك في مفازة البرزخ بين الجنة والنار . واعلم أن النفس مركوب الوافد عند
هامش
( 1 ) سورة الكهف : آية 7 - 8 . ( 2 ) سورة الأنفال : آية 42 . ( 3 ) سورة الحديد : آية 2 .