تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
فهكذا كان أولياء بني إسرائيل في حياة موسى مندرجى الحكم في حكمه فلما دنت وفاته وتوارى شمس رسالته بحجاب خليفته الذي يستخلفه بعده وكان ذلك الخليفة هو فتاه الذي قصد به الخضر عليه السلام علم أن أحكام أهل الولاية ستظهر في زمان ذلك الفتى فأراه كيف يكون معاملته لهم إذا هر في زمن خلافته وجمع له بين أمرى الرسالة والولاية فقال لفتاه " لا أبرح " أي لا أموت
حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
« 1 » أي فيك " أو أمضى حقبا " أو أعيش إلى أن يحصل ذلك ولو عشت حقبا
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما
« 2 » . ثم كان من الأمر ما قص اللّه علينا في الكتاب فعلمه أن يسلم للأولياء باطنا وإن اقتضى الشرع إنكار شيء من أمرهم أنكره ظاهرا على جهة الاستعلام كي لا يتشبه بأحكامهم من ليس في مقامهم وإلا فما لموسى كف عن الخضر بتلك المعاني التي أبداها الخضر . فإن مثلها لا تسقط به المطالبة في ظاهر الشرع فمن خرق سفينة قوم بغير إذنهم وقال خرقتها لئلا تغضب لم تسقط المطالبة بذلك ظاهرا ومن قتل صبيا وقال خشيت أن يرهق أبويه طغيانا وكفرا لم تسقط عنه المطالبة بذلك في ظاهر الشرع وقول المولى ما فعلته عن أمرى ليس مسوغ لمثل هذه الأعمال في الحكم الظاهر وإن تحققت ولايته . فما كان الإنكار من موسى أولا إلا حفظا لنظام الشرع الظاهر ثم كف أخرا حفظا لرعاية أمر اللّه في أوليائه وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . وكان رضي اللّه عنه يقول : في قصة موسى والخضر يعنى أن للحق عبادا أقامهم لبيان المكتسبات وعبادا أقامهم لبيان الموهوبات ليس لأحدهما أن يعترض على الآخر ولا يشاركه فيما أقيم فيه وغن كان أحدهما نبيا والآخر وليا فافهم . وكان رضي اللّه عنه يقول : الجبال أمثال الرجال فكما أن الجبال لا يزيلها عن مقيلها من الأرض ما دام العالم إلا الشرك فكذلك الولي ما يزيل همته عن قلب من آوى إليه إلا
هامش
( 1 ) سورة الكهف : آية 60 . ( 2 ) سورة الكهف : آية 61 .