وكان رضي اللّه عنه يقول : ألق حبلك وأسبابك وما اعتمدت عليه من معلوماتك ومعمولاتك بين يدي الداعي إلى اللّه تعالى حتى يلتقمها حكمه وحكمته فلا يبقى لك عمدة إلا على حقه ولا توصل إلا بصدقة يسرى بك إلى ربك في حالة محو نفسك ليلا ويخرجك من مواطن تحكم العدو إلى مقامات حكم المولى فهناك لا تزلزلك الزلازل وإن اشتدت هولا كما قال أصحاب موسى :
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
« 1 » .
فكان من حكمة ربه لقومه الذين أسرى بهم ما كان فافهم كما خرج موسى من مدينة فرعون خائفا يترقب مستغرقا في ربه فأفضى أمره إلى مقام المناجاة جرت تلك السنة على ابتاعه فأسرى بعباد اللّه من أرض فرعون خائفين يترقبون مستغرقين في نور إيمانهم فأفضى أمر هم به إلى مقام النجاة فافهم .
وكان رضي اللّه عنه يقول : إنما خرق الخضر عليه السلام السفينة بركابها لحكم منها أن يبين لهم أن السفينة لو كانت حاملة بألواحها وسردها لغرقوا عند خرقها ولكن مكرمهم هو حاملهم في البر والبحر فسواء وجوها وعدمها عند صاحب اليقين الكامل ولهذا مشى على الماء من كان هذا يقينه ولو أراد المشي على الهواء أيضا .
وكان يقول إذا رايت أن الخضر عليه السلام قسمت له الحياة إلى إدراك الزمن المحمدي فما طلب موسى بفتاه السبيل إليه إلا من باب معنى قول القائل : لعلى أراهم أو أرى من يراهم فافهم .
وكان رضي اللّه عنه يقول : إنما لقى موسى عليه السلام الخضر بفتاه ليجمع الفتاه بين بحر الرسالة من نبوته وبحر الولاية من خصوصية الخضر عليه السلام والسر في ذلك أن حكم الولي مع حكم الرسول الذي يلزمه شريعته كحكم النجم مع حكم الشمس .
وذلك كما أن النص إذا وجد اندرجت أحكام الاجتهاد كلها تحته وكان الحكم حكم النص وإذا غاب النهى رجع كل مجتهد إلى حكمه فكما أن حكم كل مجتهد في حياة النبي مندرج في حكمه إن أثبته ثبت وإن نفاه انتفى كذلك حكم ولى مع رسول وأما في زمن أبو بكر ومن بعده من الخلفاء فلكل مجتهد حكمه لا يلزمه اجتهاد غيره .
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : آية 61 - 62 .