تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
لتعويله على اللّه تعالى لا على قوة نفسه هو . وقد قالوا كل مدع ممتحن وهذا ميزانه واللّه أعلم . وقال في قول السري رضي اللّه عنه في حد التوبة أن لا تنسى ذنبك ، هو أولى من قول الجنيد رضي اللّه عنه وغيره التوبة أن تنسى ذنبك لأن كلام السري رضي اللّه عنه يدل على مبادئ المقامات وكان السري مكلفا الكلام على مقامات العباد لكماله والجنيد وغيره لم يكن إذ ذاك قدوة للناس فافهم . وقال في قول بعضهم : لا يكون الصوفي صوفيا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال ذنبا عشرين سنة . ليس معنى ذلك أن لا يقع منه ذنب عشرين سنة ، وإنما معناه عدم الإصرار ، وكلما أذنب تاب واستغفر على الفور . وكان يقول : إذا رفعك إلى محل المحاضرة والشهود المسلوب عن العلل فذاك مقام التعريف والإيمان الحقيقي وميدان تنزل أسرار الأزل وإذا أنزلك إلى محل المجاهدة والمكابدة فذاك مقام التكليف المقيد بالعلل وهو الإسلام الحق وميدان تجلي حقائق الأبدية والمحقق لا يبالي بأي صفة يكون . وقال في قوله تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
« 1 » أي على معاينة تعاين كل صنف طريقهم فيحملهم عليها وعلى النيابة . وكان رضي اللّه عنه يقول : العارف لا دنيا له لأن دنياه لآخرته وآخرته لربه . وكان يقول : الزاهد غريب في الدنيا لأن الآخرة وطنه والعارف غريب في الآخرة فإنه عند اللّه تعالى ومعنى غربته في الدنيا قلة من يعينه على القيام بالحق وقلة من يشاكله في القيام ، وأما غربة العارف في الآخرة فإن سيره مع اللّه تعالى بلا أين والمدار على محل يكون فيه القلب لا على محل يكون فيه الجسم كما أن الزاهد كذلك موطن قلبه في الدنيا إنما هو الآخرة فهي معشش روحه ولولا ذلك لما صح له الزهد في الدنيا . وكان رضي اللّه عنه يقول : العامة إذا خوفوا خافوا وإذا روحوا راحوا والخاصة متى خوفوا راحوا ومتى روحوا خافوا . وكان رضي اللّه عنه يقول : كان الإنسان بعد أن لم يكن وسيفنى بعد أن كان ومن كلا طرفيه عدم فهو عدم . قال ابن عطاء رضي اللّه عنه أي أن الكائنات لا تثبت له رتبة الوجود
هامش
( 1 ) سورة يوسف : الآية 108 .