تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
والمشهور عن أبي يزيد رضي اللّه عنه التعظيم لمراسم الشريعة والقيام بكمال الأدب فالحق تأويل أحوال الأكابر من أهل الاستقامة دون المبادرة إلى الإنكار . وقال في حكاية الحارث بن أسد من أنه كان إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك عليه إصبعه كيف هذا وقد قدم لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه لبن فأكل منه ثم وجد كدورته في قلبه فقال من أين لكم هذا اللبن ؟ فقال غلام له كنت تكهنت لقوم في الجاهلية فأعطوني ثمن كهانتي فتقيأه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه فلم يكن للصديق عرق يتحرك عليه إذا أكل طعاما فيه شبهة مع كونه أفضل من الحارث بالإجماع . الجواب : أن أبا بكر رضي اللّه عنه كان خليفة مشرعا للعباد حتى يقتدي به من أكل طعاما فيه شبهة ولم يعلم فيتكلف طرحه بعد أكله فيثيبه اللّه تعالى على ذلك ، والحارث رضي اللّه عنه لم يكن إذ ذاك مشرعا ولا قدوة إنما يعمل بقصد نفع نفسه فقط ومعلوم أن القدوة من شأنه التنزل في المقام للتعليم . وكان رضي اللّه عنه يقول : إنما بدأ القشيري في رسالته بالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم لأنهما كانا قد تقدم لهما زمن قطيعة فلما أقبلا أقبل اللّه عليهما فبدأ بذكر هما بسطا لرجاء المريدين الذين كانت تقدمت منهم الزلات والمخالفات وليعلم أن فضل اللّه ليس بمعلل بعمل . ولو أنه بدأ بالجنيد وسهل بن عبد اللّه وعتبة الغلام وأمثالهم ممن نشأ في طريق اللّه لربما قال قائل من يدرك هؤلاء لم يسبق لهم زلات ولا مخالفات . وقال في قول سمنون المحب :
وليس لي في سواك حظ * فكيفما شئت فاختبرني
فابتلي بحصر البول فصالح وصار يقول : ادعوا لعمكم الكذاب لو كان سمنون قال عوض ما قال : فكيفما شئت فاختبرني ( فأعف عني ) لكان أول من طلب الاختبار . قلت : وإنما وقع الامتحان لسمنون لغفلته عن التبري عن الدعوى فلو قال مدني بالقوة ثم اختبرني بما شئت لم يمتحن . وكان شيخنا رضي اللّه عنه يقول : إذا قيل لك أتخاف اللّه تعالى ؟ فقل : نعم ، لكن بقدر ما خلقه في من الخوف وكذلك القول في أتحب اللّه تعالى فمن سلك ذلك لا يقع له امتحان
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية ) — صفحة 34 | عبد الوهاب الشعراني / احمد عبد الرحيم السايح